Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • سياسية عامة
  • الإثنين 18 أيار 2026

الهدنة: أن تعيش وأنت تنتظر الحرب

الهدنة: أن تعيش وأنت تنتظر الحرب

كتبت "الاخبار" التالي : حوّل الشكل الجديد للحرب الذي يعيشه المجتمع في لبنان الهدنة إلى ما يشبه انتظاراً مؤقتاً لجولة جديدة من الدمار، خاصةً وأنّ التجديد المستمر لوقف إطلاق النار لا يوقف إطلاق النار.

إن أول ما تبادر إلى ذهني عندما أُعلنت الهدنة، أنني سأحظى باستراحة من الحرب والنزوح، وقليل من الهدوء والطمأنينة. غير أن الواقع كان خلافاً لما كنت آمل. ويمكنني القول إن أسوأ ما في الهدنة هو مصطلح «الهدنة» نفسه.

في اليوم الأول من الهدنة، عدتُ إلى منزلي في الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت. لكنني خفتُ من النوم على فراشي، خشية أن أعتاد الأمان. ففي الهدنة لا شيء مضموناً أو دائماً. في بلدي، حتى الاطمئنان مؤقت، وحتى الراحة تبدو كرفاهية نستعيرها ليوم أو يومين، ثم تُسحب منا فجأة.

خلال أيام الحرب، لم تغادر بالي فكرة العودة إلى المنزل، إلى روتين حياتي اليومي، إلى فنجان قهوتي الذي أحب، والذي لم أستطع حتى أن آخذه معي عندما غادرت المنزل، فجأة. لكن شعوري عند العودة كان مختلفاً، لم أشعر بالفرح، بل على العكس، شعرتُ بقلق كبير وحزن عميق لم أستطع تفسيرهما.

أساساً، منذ اليوم الأول للهدنة، بدأت إسرائيل بخرقها، واستمرت في قصف الجنوب وتجريفه، حتى بدا وكأن الهدنة المعلنة لا تشمل الجنوب أصلاً. أما أنا، ففي هذه الهدنة، أنتظر اللحظة التي قد تعود فيها الحرب إلى الضاحية وبيروت. أعيش في حالة دائمة من لا استقرار، ويلازمني شعور ثقيل بالذنب، ذنب أن تتابع حياتك، بينما أشاهد الجنوب يُقصف ويُنذر ويُجرَّف، وأبناء القرى يُهجَّرون مرة أخرى، ثم أسمع بالمجازر، وآخرها مجزرة السكسكية.

في هذه الفترة، شعرت أن الهدنة قد تكون من أقسى ما يمكن أن يمر به الإنسان، فهي مزيج من القلق والخوف والشعور المستمر بالذنب. أعيش كل يوم من دون تخطيط، ولا أملك القدرة حتى على ترتيب أفكاري أو بناء روتين ثابت، لأنني أصبحت أسيرة اليوم الواحد، ولا أملك ترف التفكير في المستقبل. فما يُعد أمراً عادياً بالنسبة إلى غيري، يتحول بالنسبة إلي إلى حقٍّ مسلوب.

هل جرّبت يوماً أن تدّخر المال لا لأنك تريد السفر أو بدء مشروع جديد، بل لأنك تخشى أن تضطر إلى استئجار منزل بمبالغ طائلة فقط بحثاً عن الأمان؟

أن تصبح أسير يومك، يعني ألا تملك القدرة على التفكير في الغد، وأن تخاف من بناء أي روتين قد ينهار فجأة أمامك. فإسرائيل قد تقرر، في أي لحظة، العودة إلى الحرب الشاملة وسلب كل شيء منك. قد تستيقظ على غارة، أو على خبر شهيد جديد، أو ربما تكون أنت الشهيد التالي.

ناهيك عن الشعور بالذنب الذي يرافقني في كل ما أفعله، مهما كان بسيطاً. فإذا قررت الخروج في نزهة أو لقاء أصدقائي، أشعر بالذنب. هل يحق لي أن أخرج بينما أبناء بلدي يُقتلون، وقرى الجنوب لا تنجو من القصف والتجريف؟ وكيف يمكنني أن أضحك، فيما أعداد الشهداء تزداد، والعائلات تُفجع بأبنائها؟ وهل يحق لي أيضاً أن أضع رأسي على وسادة دافئة، بينما هناك من لا يزال يعيش في مراكز الإيواء أو في الخيم، من دون أدنى مقومات الراحة أو حتى ترف الدخول إلى مرحاض؟

وعند محاولة الهروب من هذا الواقع، عبر جلسة مع الأصدقاء مثلاً، تلحقك الحرب إليها، إذ إن لا استقرار ينسحب حتى على الأحاديث اليومية. فحين يسأل أحدهم: «كيفكم؟»، يكون الجواب نفسه دائماً: «ناطرين تخلص الحرب» أو «عم نعيش كل يوم بيومه».

نحن الذين كان يُفترض أن نعيش ربيع أعمارنا، وأن نفتح أذرعنا للحياة، وأن تكون أحلامنا بحجم العالم، لم نعد نملك هذه الرفاهية. أصبحنا ننعى أصدقاءنا، ونشاهد جنى أعمار أهلنا وأجدادنا ينهار أمامنا. حتى أننا بتنا مضطرين إلى ادّخار المال، تحسباً من احتمال التهجير من جديد، والبحث عن شقة للإيجار، إذا ما قُصفت الضاحية مرة أخرى.

أصبح لكل شيء أولوية مختلفة. هل جرّبت يوماً أن تدّخر المال لا لأنك تريد السفر أو بدء مشروع جديد، بل لأنك تخشى أن تضطر إلى استئجار منزل بمبالغ طائلة فقط بحثاً عن الأمان؟ أن تجد نفسك مضطراً إلى إنفاق ما جمعته خلال سنوات طويلة فقط لتشعر بشيء بسيط من الاستقرار؟

فكرت كثيراً في كل هذا الخراب، واكتشفت أنه ليس وليد هذه الحرب فقط، بل هو خراب متوارث، وربما سنورثه نحن أيضاً لأبنائنا. فنحن أبناء الجنوب، وطالما أن إسرائيل على حدودنا، قد لا ننعم يوماً بالاستقرار أو الاطمئنان الكامل.

الصورة : بناية مدمرة في الضاحية الجنوبية نتيجة القصف الاسرائيلي (مروان بو حيدر)

تواصل معنا
صيدا - لبنان
[email protected]
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة