
المحامي سعيد بوعقل
ما من احتلال في التاريخ إلا وزال، مهما بلغت قوته، ومهما اشتد بطشه، ومهما امتد زمنه لعشرات أو مئات السنين. وقد ظن المحتلون دائماً أن تفوقهم العسكري كفيل بإخضاع الشعوب وإرغامها على القبول بالأمر الواقع، لكن التاريخ كان يثبت في كل مرة أن إرادة الشعوب أقوى من حسابات القوة المجردة.
وفي لبنان لم تكن المقاومة يوماً أقوى عسكرياً من الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ اجتياح عام 1982 كان ميزان القوى يميل بصورة ساحقة لمصلحة إسرائيل بما تملكه من جيش نظامي متطور ودعم سياسي وعسكري هائل. ومع ذلك بدأت المقاومة بإمكانات متواضعة جداً، وراكمت إنجازاتها خطوة بعد خطوة إلى أن تحقق التحرير في العام 2000.
ولذلك فإن من يعتقد اليوم أن ما يتعرض له لبنان من قتل ودمار وتهجير وتجريف للقرى والبلدات كفيل بإقناع اللبنانيين بالاستسلام، أو بأن إرادة المقاومة باتت على شفير الانهيار، يكرر الخطأ نفسه الذي وقع فيه كثيرون من قبل.
فالدمار قد يصيب الحجر، لكنه لا يكسر بالضرورة إرادة البشر. والقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تنتزع من شعب قناعته بحقه في أرضه وحريته وكرامته.
لقد راكم اللبنانيون، منذ عقود طويلة، تجارب قاسية وخبرات مريرة في مواجهة الاحتلال والاعتداءات والحروب. وما نشأ خلال تلك السنوات لم يكن مجرد تنظيمات أو مجموعات مقاومة، بل ثقافة وطنية كاملة، وعقيدة راسخة تقوم على رفض الخضوع والاستسلام مهما بلغت التضحيات.
وقد يختلف اللبنانيون في السياسة، وقد ينقسمون حول الكثير من القضايا، لكن الغالبية الساحقة منهم، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم، لا تقبل أن يتحول لبنان إلى وطن منزوع الإرادة أو خاضع لإملاءات القوة.
ومن هنا فإن الرهان على أن الدمار سيولد الاستسلام، أو أن الضغط سيؤدي إلى التخلي عن الحقوق الوطنية، هو رهان محفوف بالأوهام. فالتجارب أثبتت أن الشعوب التي تؤمن بقضيتها قد تتعب لكنها لا تستسلم، وقد تنزف لكنها لا تتخلى عن حقها.
إن الذين يراهنون اليوم على الهزيمة النفسية للبنانيين، في الداخل أو الخارج، يقرأون مشهد الدمار ولا يقرأون ما هو أعمق منه: يقرأون حجم القوة العسكرية، لكنهم لا يقرأون حجم الإرادة المتجذرة في وجدان شعب خبر الاحتلال وعرف كيف يواجهه.
ولهذا السبب بالذات، فإن ما تحقق بالأمس قادر على أن يتكرر غداً. فكما لم يكن التحرير في العام 2000 نتيجة تفوق في السلاح، لن يكون المستقبل رهناً بتفوق السلاح وحده، بل بقدرة شعب على التمسك بحقه وعدم التخلي عنه.
فإرادة الشعوب، مهما تعرضت للامتحان، تبقى في نهاية المطاف أقوى من إرادة الاحتلال
