
كتبت صحيفة "الجمهورية" تقول : تقاطعت المعلومات والمصادر المتعدِّدة أمس، على أنّ الجبهة اللبنانية مشمولة عملياً بوقف إطلاق النار والحرب، في مذكرة التفاهم المقرّر توقيعها بين واشنطن وطهران خلال أيام في جنيف، في وقت تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، فيما يستعد لبنان للجولة التفاوضية الخامسة الأمنية والسياسية مع إسرائيل، المقرّرة في 22 من الجاري في واشنطن برعاية الخارجية الأميركية، على أمل أن تثمر هذه المرّة وقفاً شاملاً لإطلاق النار والتأسيس للبحث في الترتيبات اللازمة لإنهاء حال الحرب.
بعد يوم من التوتر السياسي على المستوى الإعلامي بين واشنطن وطهران تسبَّبت به التسريبات حول مضمون مذكرة التفاهم بينهما، شاعت مساء أجواء إيجابية، أوحت أنّ هذه المذكرة ستُوقّع خلال اليومَين المقبلَين في جنيف. وأكّد رئيس وزراء باكستان، الوسيط بين الجانبَين، «التوصُّل لنص نهائي لاتفاق السلام بين أميركا وإيران. وندرك حملة التضليل التي يشنّها مَن يسعون لتخريب اتفاق السلام». وأضاف إنّ «السلام بين إيران وأميركا لم يكن قريباً من هذا الحدّ كما هو الآن». نعمل عن كثب مع أميركا وإيران لوضع اللمسات الأخيرة على الخطوات التالية في اتفاق السلام».
وبعد توتره نهاراً من التسريبات في الإعلام الإيراني حول مضمون المذكرة، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصة «تروث سوشيال»، تصريحاً لوزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، أعلن فيه أنّ «مذكرة تفاهم إسلام آباد (مع أميركا) باتت أقرب من أي وقت مضى. وحتى يتمّ الانتهاء منها بصورة نهائية، ينبغي لوسائل الإعلام الامتناع عن الخوض في التكهُّنات بشأن مضمونها». وأضاف: «انطلاقاً من نهجنا المسؤول والشفاف، سيتمّ إطلاع الرأي العام على جميع التفاصيل في الوقت المناسب».
وانشغلت الأوساط اللبنانية والإقليمية في تقّصي المعلومات عمّا إذا كانت المذكرة الأميركية – الإيرانية تنص على وقف النار والحرب على الجبهة اللبنانية.
ونقلت وكالة «أ.ف.ب» عن مسؤول أميركي، أنّ «مسودة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب ستشمل لبنان أيضاً». وكشف المسؤول في اتصال هاتفي مع صحافيّين، إنّ التفاهم «يشمل لبنان، وإيران، ودول الخليج، وإسرائيل»
فيما أفادت وكالة الأنباء الإيرانية، أنّه «في حال توقيع النص الحالي للمذكرة، تتعهّد الولايات المتحدة بإلزام إسرائيل بإنهاء الحرب في لبنان». وأشار عراقجي، في مقابلة مع قناة «خير» الإيرانية، إلى أنّه «سيعلن في مذكرة التفاهم مع واشنطن إنهاء الحرب على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان».
الموقف الإسرائيلي
في حين أفادت هيئة البث الإسرائيلية، نقلاً عن مصدر، أنّ «القيادة أوعزت للجيش الإسرائيلي بتجنّب عمليات قد تضرّ بالاتفاق المحتمل بين أميركا وإيران». وذكرت أنّ «الاتفاق مع إيران يشمل وقفاً لإطلاق النار على الجبهات كافة».
كذلك أفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نقلاً عن مصادر، أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّه يتفهّم سعيه للتوصُّل إلى اتفاق مع إيران، لكنّه شدّد على ضرورة ألّا تكون إسرائيل هي الضحية نتيجة أي تفاهم محتمل مع إيران. لكنّ القناة 14 الإسرائيلية أكّدت عن طريق مسؤول إسرائيلي «أنّ الوضع في لبنان سيبقى على حاله. الاحتفاظ بحرّية التحرُّك ضدّ أي تهديد داخل الأراضي اللبنانية»، ومشيراً إلى «أنّ محاولات إيران لربط الساحات قد فشلت».
المعركة الحقيقية
كشف مصدر ديبلوماسي مطلع على المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن، لـ«الجمهورية»، أنّ «ما يدور خلف أبواب التفاوض يتجاوز بكثير النقاشات التقنية المتعلقة بوقف إطلاق النار أو الترتيبات الأمنية في الجنوب، لأنّ المعركة الحقيقية تدور حول مستقبل الجنوب اللبناني وطبيعة المرحلة التي ستلي الحرب، خصوصاً أنّ الحرب الأميركية- الإيرانية تضع أوزارها وقد شارفت على النهاية، على رغم من أنّ ذلك لا يعني نهايتها في لبنان، وتحديداً في جنوبه».
وأكّد المصدر، أنّ «الوفد اللبناني دخل المفاوضات من منطلق واضح يقوم على أولوية وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأهالي إلى قراهم، فيما حضر الوفد الإسرائيلي حاملاً مقاربة مختلفة بالكامل، تقوم على محاولة تثبيت وقائع ميدانية جديدة نشأت بفعل الحرب، وتحويلها إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد، ولا يزال يفرض ذلك إلى اليوم»، متوقعاً استمرار معادلة «شمال إسرائيل مقابل الضاحية الجنوبية لبيروت» أو ما يشابهها.
وأضاف أنّ «الجانب اللبناني لمس منذ الجلسات الأولى وجود تباين بين المقاربة الأميركية والإسرائيلية، وإن لم يصل إلى حدّ الخلاف الجوهري»، موضحاً أنّ «واشنطن تريد منع انفجار أوسع في المنطقة، قد ينعكس على ملفات إقليمية أخرى، فيما تسعى إسرائيل إلى استثمار تفوُّقها العسكري الحالي لترسيخ منطقة عازلة في جنوب لبنان تحت عناوين أمنية مختلفة».
وأشار إلى أنّ «الطرح اللبناني يركّز على منع تحويل القرى الجنوبية المدمّرة إلى منطقة خالية من السكان، ولذلك طُرِحَت فكرة «المناطق التجريبية» (Pilot Zones) باعتبارها مدخلاً لعودة الأهالي وانتشار الجيش اللبناني وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق محدَّدة. فلبنان اقترح أن تبدأ التجربة من بنت جبيل، نظراً إلى رمزيّتها وموقعها داخل المنطقة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها كحزام أمني، قبل أن تنتقل النقاشات إلى بدائل أخرى بينها منطقة الشقيف ومحيطها». ويشرح الديبلوماسي نفسه، أهمّية هذه المناطق في أنّها «تسحب ذريعة التهديد المباشر لأمن إسرائيل ممّا يعرّضها إلى القصف بدرجة أولى، وصولاً إلى عدم تهجير أهلها وتدمير بنيتها المدنية بدرجة ثانية، وأخيراً جعلها منطقة سيادية للدولة اللبنانية، لا تخضع لسلطة الميليشيات غير الشرعية. وتل أبيب تدرك جيداً هذا السيناريو لذلك ترفضه».
ولفت المصدر إلى أنّ المخاوف اللبنانية لا تقتصر على استمرار الاحتلال في بعض النقاط، بل تتصل أيضاً بمحاولة إسرائيل فرض واقع جديد يمتدّ من الخط الأزرق إلى عمق عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تحت ذريعة إبعاد مصادر التهديد عن المستوطنات الشمالية. وأوضح أنّ «الجانب الإسرائيلي حاول خلال المفاوضات تضخيم حجم الانتشار العسكري لـ«حزب الله» جنوب الليطاني، وتقديم أرقام مرتفعة حول عدد المقاتلين الموجودين في المنطقة (بضعة آلاف)، بينما تؤكّد السلطات اللبنانية أنّ العديد لا يتجاوز بضع مئات»، معتبراً أنّ هذا الأسلوب يهدف إلى «تبرير الإبقاء على الاحتلال وإطالة أمد السيطرة العسكرية الإسرائيلية».
وشدّد المصدر على أنّ «لبنان يدرك تماماً أنّ الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً بالمعنى التقليدي، بل تنطلق من أولوية أمن إسرائيل. إلّا أنّ الوفد اللبناني عمل على استثمار أي هامش متاح للدفاع عن المصلحة اللبنانية، ومنع تكريس الوقائع التي فرضتها الحرب. لذلك، إنّ أهمّية المفاوضات الحالية لا تنبع فقط من بُعدها الأمني، بل من كونها تمثل محاولة لاستعادة القرار اللبناني المستقل، ومنع ربط مصير الجنوب بأي مسارات إقليمية أخرى. الدرس الذي تعلّمه لبنان من تجارب الماضي، هو أنّ ربط مستقبله بتسويات الآخرين كان دائماً مكلفاً. واليوم هناك حرص واضح على ألّا يتحوَّل الجنوب مجدّداً إلى ورقة تفاوض إقليمية. وقد تأكّد ذلك بفصل مساره عن مسار طهران».
وأكّد أنّ «أي تفاهم لبناني – إسرائيلي مستقبلي لا يمكن أن ينجح إذا لم يتضمّن مساراً واضحاً، يقود إلى انسحاب إسرائيلي كامل وعودة السكان وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة»، محذّراً من أنّ «تحويل المناطق التجريبية إلى وضع دائم سيعني عملياً تثبيت نتائج الحرب بدلاً من إنهائها».
وعن تأثير التطورات الإقليمية، رأى المصدر أنّ «الاعتقاد بأنّ أي اتفاق أميركي ـ إيراني محتمل سيؤدي تلقائياً إلى إنهاء الجبهة الجنوبية أو انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية هو اعتقاد غير واقعي. الإسرائيليّون يتصرَّفون على أساس مصالحهم الأمنية والميدانية المباشرة، وليس على أساس نتائج التفاهمات الأميركية – الإيرانية. وحتى لو تمّ التوصُّل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة في الجنوب أو انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي تسيطر عليها».
وأضاف، أنّ «إسرائيل تسعى إلى تأكيد فصل المسارَين اللبناني والإيراني، وإلى تحويل مكاسبها الميدانية إلى حقائق دائمة، فيما تحاول واشنطن احتواء التصعيد ومنع توسعه إقليمياً، الأمر الذي يجعل مستقبل الجنوب مرتبطاً أولاً بنتائج التفاوض اللبناني – الإسرائيلي نفسه، وليس بأي تفاهمات أخرى تجري في المنطقة».
وختم المصدر بالتأكيد أنّ «البديل عن المسار التفاوضي ليس استعادة الحقوق اللبنانية بالقوّة، بل استمرار الحرب والتدمير والتهجير. لا أحد في الدولة اللبنانية يتعامل مع المفاوضات باعتبارها انتصاراً، لكنّها تبقى الأداة الوحيدة المتاحة حالياً لمنع تكريس الاحتلال كأمر واقع، ولإعادة الناس إلى قراهم، ولمنع تحوّل ما يجري في الجنوب إلى واقع دائم يصعب تغييره مستقبلاً».
الجولة الجديدة
مع اقتراب موعد الجولة الجديدة من المفاوضات المقرّرة في وزارة الخارجية الأميركية في 22 حزيران الجاري، واضح أنّ إسرائيل تخوض سباقاً محموماً، تهدف من خلاله إلى انتزاع تفوُّق جغرافي – عسكري على أرض الجنوب، يُمكن تسييله على الطاولة.
وفي تقدير أوساط سياسية، أنّ العمليات العسكرية جنوب نهر الليطاني، وتحديداً في مرتفعات الشقيف، تتجاوز البُعد العسكري المباشر لتلامس العمق السياسي. فالحديث الإسرائيلي عن الانتقال إلى «خيارات عملياتية جديدة» والاقتراب من «أهداف إضافية»، يتقاطع مع مناورة سياسية واضحة يقودها بنيامين نتنياهو. وجاء تأكيد وزير الدفاع إسرائيل كاتس، على أنّ القوات الاسرائيلية لن تنسحب من المنطقة الأمنية في الجنوب، ليؤكّد الشكوك بنيات إسرائيل التي تناور بتسريب أجواء حول إمكانية قبولها بطروحات «الترتيبات الأمنية التدريجية» أو إنشاء «مناطق نموذجية وتجريبية».
وفي اعتقاد الأوساط، أنّ هذه الطروحات تُستخدم «ملهاة ديبلوماسية» لكسب الوقت، ريثما تتمكن الآلة العسكرية من إحكام السيطرة التامة على محاور استراتيجية حاكمة، وفي مقدّمتها مدينتا النبطية وصور، لتثبيت واقع عسكري جديد يمتد إلى جنوب نهر الزهراني بكامله. وقد بات الإسرائيليّون يتحدّثون بوضوح عن الرغبة في توسيع السيطرة وتكريسها جنوباً، بدل المطالبة الصعبة بالنزع الكامل لسلاح «حزب الله» من بقية أنحاء لبنان شمالاً. وهذا الواقع يضع المفاوض اللبناني في موقف بالغ التعقيد. فالتدحرج الميداني والقضم الجغرافي المستمر قبل جلسة 22 الجاري، يضغطان على المفاوض اللبناني، بين الجولة والأخرى.
موقف فرنسي
أشار المتحدث باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو، لقناة «الجزيرة»، إلى أنّ لبنان «يجب أن يبتعد عن حروب لا علاقة له بها. ندعم المفاوضات بين السلطات اللبنانية والإسرائيلية، وندعم السلطات اللبنانية، ونحضِّر مع جهات أخرى لعقد مؤتمر لدعم لبنان». وشدَّد على أنّه «يجب على السلطات الإسرائيلية أن لا تتوغل أكثر داخل لبنان».
الحراك السعودي
في غضون ذلك، أفادت قناة «الجديد»، أنّ الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان أنهى زيارته للبنان بعد «لقاءات إيجابية عقدها مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ونجاحه في إعادة وصل العلاقة، لاسيما بين بعبدا وعين التينة، بعد انقطاعها في الفترة الأخيرة».
ووصل السفير السعودي فهد الدوسري، بعد ظهر أمس لتسلُّم مهماته الديبلوماسية في لبنان. واستقبله في المطار ممثل وزارة الخارجية اللبنانية السفير علي حبحب، إلى جانب سفراء قطر سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، وسلطنة عُمان الدكتور أحمد السعيدي، والكويت محمد سلطان الشرجي، بالإضافة إلى أركان السفارة السعودية في بيروت.
الصورة : (نقلا عن الجمهورية)
