
كتبت صحيفة "الأخبار": لم يتوقف العدوان الإسرائيلي على الجنوب، رغم وقف إطلاق النار الذي أُعلن ليل الأحد الماضي. صحيح أن وتيرة الاعتداءات تراجعت مقارنةً بالأسابيع الماضية، إلّا أن الخروقات استمرت، ما أبقى التوتر قائماً وأثار تساؤلات حول مدى التزام تل أبيب بمندرجات التفاهمات الجديدة. لذلك، تصاعدت حدة المواقف الإيرانية على نحو لافت، إذ انتقل الخطاب الرسمي من التحذير من تداعيات الخروقات الإسرائيلية إلى التهديد المباشر بالرّد، بعدما أعلن «مقر خاتم الأنبياء» أن استمرار الاعتداءات على جنوب لبنان لن يمر من دون عواقب، مُحمِّلاً إسرائيل مسؤولية تقويض مسار التهدئة. وبدورها، تواصل المقاومة مواجهةالمحاولات الإسرائيلية لخلق أمر واقع ميداني، تطبيقاً للقاعدة الذهبية: عدم العودة إلى ما قبل الثاني من آذار.
وشكّل يوم أمس نموذجاً لتصدي المقاومة الحاسم لمحاولات التوغل الإسرائيلية في أكثر من محور. إذ عادت وسائل الإعلام العبرية للحديث عن أحداث أمنية صعبة في جنوب لبنان، قبل أن تعلن عن موجتَي إخلاء لعدد من الجرحى في صفوف جيش الاحتلال بلغت حتى المساء نحو 17 إصابة بدرجات إصابة مختلفة في عدة أحداث في جنوب لبنان.
وعلقت وسائل إعلام إسرائيلية على الاحداث بالقول «ربما في الواقع، من الجيد أن تموت من أجل ترامب المختل نفسياً، وإلى جانبه في إسرائيل عجوز أحمق».
وبينما تتمسك إسرائيل بمواصلة اعتداءاتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الخروقات إلى نسف التفاهمات المستجدة وإعادة فتح الجبهة على احتمالات تصعيد أوسع، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
تمثّلت هذه الخروقات بتفجير آليات مفخخة على الطريق العام بين تبنين وحاريص وعند مثلث حداثا - حاريص، في محاولة لإعاقة الحركة وإبقاء المنطقة تحت الضغط الأمني، إلّا أن الطرق أُعيد فتحها سريعاً، وعادت الحركة الطبيعية باتجاه كفرا وياطر.
وبرزت حداثا بوصفها إحدى أكثر البلدات التي عاد أهلها إليها، ما دفع قوات الاحتلال إلى ترهيب الناس، عبر إلقاء مسيّرات له قنابل وصواريخ صغيرة قرب المدنيين كلما تحركوا نحو ساحة البلدة أو الطرقات الداخلية. كما فجّرت سيارة مفخخة عند الأطراف الجنوبية للبلدة. كذلك، نفذت قوة مؤلفة من سبع دبابات وجرافة عملية توغل واسعة انطلقت من منطقة «شقيف النمل» جنوب شرق حداثا وصولاً إلى بلدة رشاف، واستمرت لساعات طويلة قبل أن تنسحب من المنطقة.
وفي الطيري، سُجلت تحركات إسرائيلية عند الأطراف وداخل بعض النقاط، ترافقت مع تحليق مكثف للطائرات المُسيّرة، فيما تبيّن عدم صحة الأنباء التي تحدثت عن تقدم عبر برعشيت، إذ اقتصرت الأنشطة المعادية على عمليات تفجير وحرق في الأودية الممتدة بين برعشيت وعيترون وبليدا وصولاً إلى وادي السلوقي.
أسفرت هذه الخروقات في القطاع الأوسط عن إصابة أربعة شبان بجروح طفيفة نتيجة إلقاء قنابل باتجاههم في أثناء قيامهم بالتصوير.
أما في القطاع الشرقي، فتركزت أخطر الخروقات في النبطية، ولا سيما في المحور الممتد من كفررمان وكفرتبنيت نحو النبطية الفوقا وتلال علي الطاهر. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العدو يحاول تثبيت مواقع ونقاط متقدمة في هذه المنطقة قبل أي توقيع نهائي على اتفاق التهدئة، نظراً للأهمية الاستراتيجية التي تمثلها تلال علي الطاهر وقدرتها على الإشراف على مساحات واسعة من المنطقة.
ولهذا السبب، تعرضت مناطق علي الطاهر وكفرتبنيت والنبطية الفوقا وكفررمان خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية لقصف مدفعي مكثف، فضلاً عن تسجيل غارات جوية في محيط الخردلة وكفرتبنيت. في المقابل، شهدت المنطقة عمليات تصدٍّ من المقاومة واستهدافاً للقوات المتوغلة بواسطة الطائرات المُسيّرة.
وفي القطاع الشرقي أيضاً، ألقت طائرة مُسيّرة قنبلة في محيط كفرشوبا بالتزامن مع إطلاق نار.
بالتوازي، نفذ العدو عمليات إعادة تموضع في أكثر من محور، إذ سحب عدداً كبيراً من الآليات والمعدات الثقيلة من رشاف ودبل باتجاه القوزح، كما أعاد انتشار قواته في الخيام بعد انسحابه من عدد من المواقع باتجاه محيط المعتقل.
وفي القطاع الغربي، استمرت عمليات التمشيط والاستهداف باتجاه المنصوري.
تظهر هذه التحركات أن العدو يحاول فرض مناطق عازلة غير معلنة ومنع المدنيين من الوصول إلى بعض النقاط، معتمداً سياسة الترهيب وإطلاق القذائف في محيط الأهالي بدلاً من استهدافهم مباشرة في معظم الحالات.
غير أن هذه السياسة لم تمنع سقوط ضحايا، إذ سُجلت في بلدة ميفدون أعنف الاعتداءات خلال الساعات الأخيرة، تمثّلت بغارات للطائرات المُسيّرة أسفرت عن عدد من الشهداء والجرحى.
إسرائيل وحجم الثمن؟
يسود الترقب والحذر في لبنان، مما يُمكن أن تقوم به إسرائيل في الساعات الفاصلة عن توقيع الاتفاق الأميركي- الإيراني المرتقب، بعدما رفضت الالتزام بوقف إطلاق النار في الجنوب، وتعاملت وكأنها غير معنية ببنود الاتفاق. وترافق ذلك مع تصعيد في الخطاب، من بينها تهديدات أطلقها وزير الطاقة إيلي كوهين باستهداف بيروت وضاحيتها الجنوبية مجدداً، بهدف دفع الدولة اللبنانية وجيشها إلى تبنّي خيار نزع سلاح حزب الله، باعتباره مدخلاً لأي استقرار اقتصادي أو أي مسار سياسي مستقبلي باتجاه التطبيع.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر أمنية إسرائيلية قولها إن الجيش «جاهز للبقاء لمدة طويلة في لبنان، وإن ذلك مرتبط بقرارات وتوجيهات القيادة السياسية، والجيش مستعد لمختلف السيناريوهات في لبنان». وأشارت إلى أن «العمليات العسكرية في جنوب لبنان لا تزال مستمرة، بالتوازي مع إطلاق نار باتجاه شمال إسرائيل».
بالتوازي، نقلت صحيفة «هآرتس» تقديرات عن الجيش أنه «قد يُضطر قريباً إلى الانسحاب في المرحلة الأولى، إلى الخط الأصفر في جنوب لبنان».
في سياق آخر، أفادت «القناة 12» أنه «في إسرائيل يسود قلق من اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول التدخل السوري في لبنان»، معتبرةً أنه «كمنْ يرمي عود ثقاب في برميل متفجرات».
الصورة : (مروان بو حيدر)
