
المحامي سعيد بوعقل
أعادت زيارة وزير الخارجية السوري إلى لبنان، وما رافقها من نقاش حول طبيعة لقاءاته الرسمية والسياسية، طرح سؤال قديم يتجدد كلما دخلت العلاقات اللبنانية – السورية منعطفاً جديداً: كيف يمكن لدولتين فرضت عليهما الجغرافيا والتاريخ أن تعيشا علاقة طبيعية تحفظ سيادة كل منهما، من دون أن تتحول هذه السيادة إلى جدار يفصل بين شعبين لم تفصل بينهما الحدود يوماً؟
وقد استوقفني في هذا السياق ما كتبه الصحافي المخضرم الأستاذ سامي كليب، عندما انتقد خروج الزيارة عن الأصول الدبلوماسية التقليدية، معتبراً أن العلاقات بين الدول ينبغي أن تبقى محكومة بالمؤسسات الدستورية، وأن التواصل الرسمي يجب أن يتم بين الرؤساء والوزراء، لا بين مسؤولي دولة وقيادات حزبية داخل الدولة الأخرى، لأن في ذلك استعادة لنهج سبق أن ترك آثاراً سلبية على العلاقة بين البلدين.
ومن حيث المبدأ، لا أجد ما يدعو إلى مخالفة هذا الرأي. فاحترام سيادة الدول واستقلال مؤسساتها ليس مجرد قاعدة بروتوكولية، بل هو أحد أسس العلاقات الدولية السليمة، كما أنه المدخل الطبيعي لبناء الثقة بين الدول والشعوب...غير أن الاكتفاء بهذه المقاربة وحدها يبقى، في رأيي، غير كافٍ لفهم خصوصية العلاقة اللبنانية – السورية.
فالسياسة ليست وحدها من يصنع التاريخ، بل كثيراً ما يكون التاريخ هو الذي يرسم حدود السياسة، والجغرافيا هي التي تفرض عليها سقفاً لا تستطيع تجاوزه.
لقد شاءت الجغرافيا أن يكون لبنان وسوريا جارين لا يستطيع أحدهما أن ينقل موقعه أو يغير حدوده. وشاء التاريخ أن تتداخل بينهما العائلات، والمصالح، والأسواق، والثقافة، وأن يصبح ما يصيب أحدهما يترك أثره المباشر في الآخر.
ومن هنا، فإن العلاقة بين البلدين ليست علاقة عابرة نشأت بتوقيع اتفاق أو تبدلت بتبدل نظام، بل هي علاقة سبقت قيام الدول الحديثة نفسها، واستمرت رغم الحروب والانقسامات وتغير الأنظمة.
وهنا تحديداً تكمن خصوصية هذه العلاقة.
فالسيادة التي يتمسك بها اللبنانيون والسوريون حق مشروع لا نقاش فيه، لكن الجغرافيا تفرض في الوقت نفسه أن تبقى المصالح المشتركة هي البوصلة التي توجه هذه السيادة، لا أن تتحول السيادة نفسها إلى ذريعة لبناء القطيعة.
ولا شك أن العلاقة بين البلدين مرت بمحطات مؤلمة، وأن النظام السوري السابق ارتكب أخطاءً كبيرة في لبنان، سواء من خلال تدخله في شؤونه الداخلية أو من خلال تجاوزات بعض أجهزته الأمنية والإدارية، وهي أخطاء دفعت العلاقة بين الشعبين ثمناً باهظاً لها، ولا يجوز إنكارها أو التقليل من آثارها.
لكن من الظلم أيضاً أن تختزل العلاقة بين البلدين بهذه المرحلة وحدها، أو أن تتحول أخطاء رجال السياسة إلى حكم نهائي على تاريخ طويل جمع الشعبين قبل تلك المرحلة وسيبقى قائماً بعدها.
فكما أن تدخل سوريا في الشأن اللبناني كان موضع اعتراض مشروع لدى كثير من اللبنانيين، فإن تحويل شعار السيادة في المقابل إلى وسيلة لقطع ما فرضته الجغرافيا من مصالح مشتركة، لا يقل خطورة عن ذلك.
إن السيادة ليست شعاراً يرفع في وجه الجار، بل وسيلة لحماية مصالح الوطن.
وليست غاية قائمة بذاتها، وإنما أداة لخدمة الإنسان.
فإذا تحولت إلى وسيلة لتعميق القطيعة، أو لإحياء العصبيات، أو لإقامة الأسوار النفسية بين شعبين، فإنها تفقد رسالتها الحقيقية.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم ليس العودة إلى ممارسات الماضي، كما أنه ليس الهروب إلى قطيعة جديدة مع سوريا تحت شعار السيادة، وإنما بناء علاقة جديدة، متوازنة، يحكمها الاحترام المتبادل، وتقوم على استقلال القرار الوطني في كل من البلدين، من دون أن تنكر ما يجمعهما من مصالح حيوية لا يمكن لأي عاقل تجاوزها.
إن لبنان يحتاج إلى سوريا، كما أن سوريا تحتاج إلى لبنان.
وهذه ليست وجهة نظر سياسية، ولا شعاراً أيديولوجياً، بل حقيقة جغرافية واقتصادية وإنسانية.
والجغرافيا، بخلاف السياسة، لا تتبدل بتبدل الحكومات.
لقد علمتنا التجارب أن الشعوب تستطيع أن تتجاوز الحروب، لكنها لا تتجاوز بسهولة الأحقاد التي تُزرع في النفوس.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نحول مفهوم السيادة إلى مادة لإحياء العصبيات، أو إلى وسيلة لتعميق الشرخ بين شعبين كتب عليهما أن يعيشا جنباً إلى جنب، وأن يشتركا في الأمن والاقتصاد والمياه والحدود والمصير.
إن السيادة الحقيقية لا تكون ببناء الجدران، كما أنها لا تتحقق بإلغاء شخصية أي دولة أو الانتقاص من استقلالها.
فالسيادة التي تستحق الدفاع عنها هي تلك التي تحمي كرامة الإنسان، وتصون القرار الوطني، وتفتح في الوقت نفسه أبواب التعاون الذي يخدم الشعبين.
أما السيادة التي تتحول إلى قطيعة، أو إلى شعار يبرر العداء الدائم، فإنها تصبح بعيدة عن معناها الحقيقي.
إن ما يجمع لبنان وسوريا أكبر بكثير مما فرقهما في مراحل معينة من تاريخهما.
والسياسي الحكيم ليس من ينتصر للتاريخ على حساب السيادة، ولا من ينتصر للسيادة على حساب الجغرافيا، بل من يعرف كيف يجعل من السيادة والجغرافيا معاً أساساً لعلاقة متوازنة تحفظ الكرامة، وتصون الاستقلال، وتحقق مصالح الشعبين.
فالسيادة لا تكون كاملة إذا تجاهلت حقائق الجغرافيا، كما أن الجغرافيا لا تكون نعمة إذا استُخدمت ذريعة للانتقاص من السيادة. وبين هذين المبدأين يولد الطريق الصحيح: علاقة ندية، متوازنة، لا تبني الجدران بين الدول، ولا تهدم الجسور بين الشعوب.
