
المحامي سعيد بوعقل
إذا أراد مؤرخ، بعد عقود من اليوم، أن يكتب تاريخ الحياة السياسية في منطقة جزين منذ فجر الاستقلال وحتى يومنا هذا، فلن يكفيه أن يراجع نتائج الانتخابات النيابية أو أسماء النواب الذين تعاقبوا على تمثيلها، لأن حقيقة المشهد كانت، وما زالت، أعمق من مجرد تداول للأشخاص أو تبدل في الوجوه.
فقد عاشت جزين، منذ نشأة الدولة اللبنانية، حالة تجاذب بين مدرستين سياسيتين متمايزتين. الأولى رأت أن قوة المنطقة تكمن في الاعتدال، والإنماء، وحسن الجوار، والانفتاح على محيطها الطبيعي، انطلاقاً من خصوصية موقعها الجغرافي الذي جعلها حلقة وصل بين جبل لبنان والجنوب. أما الثانية، فاعتمدت في كثير من محطاتها خطاباً تعبوياً يقوم على الاستقطاب وإثارة العصبيات، متأثرة بالصراعات الوطنية والإقليمية أكثر من تأثرها بالحاجات اليومية لأبناء المنطقة.
وكان اللافت أن هذين النهجين استندا إلى قواعد شعبية مختلفة في تكوينها. فالمقيم في جزين كان ينظر إلى السياسة من زاوية الأمن والإنماء والاستقرار وما ينعكس مباشرة على حياته وحياة أسرته، بينما كان قسم من أبناء المنطقة المقيمين خارجها أكثر تأثراً بالمناخ السياسي العام وبالاستقطابات التي كانت تعصف بلبنان. ولم يكن أي من الاتجاهين يحتكر الحقيقة، إلا أن التجربة أثبتت أن الخطاب الغرائزي كان أسرع وصولاً إلى النفوس، في حين كان خطاب الاعتدال يحتاج دائماً إلى قدر أكبر من الوعي والصبر، لأنه يخاطب العقل قبل العاطفة.
ولعل من الخطأ تفسير تاريخ الانتخابات في جزين على أنه مجرد تناوب بين فائز وخاسر، لأن ما بقي في ذاكرة الناس لم يكن نتائج الصناديق، بل النهج الذي ترك أثراً في حياتهم. ولذلك، فإن التاريخ لا يكتبه المنتصرون في الانتخابات وحدهم، بل تكتبه أيضاً الأفكار التي تصمد أمام الزمن.
وقد حمل هذا النهج، عبر العقود، رجال اختلفت شخصياتهم وتجاربهم، لكنهم التقوا على الإيمان بأن جزين لا يمكن أن تزدهر إلا بالاعتدال.
ويأتي في مقدمتهم النائب السابق المرحوم مارون كنعان، الذي شكّل حضوره محطة مهمة في الحياة السياسية الجزينية، وأسهم في ترسيخ مفهوم العمل العام القائم على خدمة المنطقة والحفاظ على استقرارها وتعزيز حضورها في مؤسسات الدولة.
ثم جاء النائب الراحل إبراهيم أسعد عازار، ليمنح هذا النهج بعداً إنمائياً واضحاً، واضعاً الأساس لأول نهضة حقيقية عرفتها المدينة في أواخر الأربعينيات، يوم أوصل مياه الشفة إلى المنازل وشق الطرق الداخلية، في زمن كانت فيه هذه المشاريع حلماً بعيد المنال.
واستمر هذا النهج مع النائب السابق جان عزيز، الذي حافظ على روح الاعتدال والانفتاح، مؤمناً بأن دور ممثل المنطقة لا يقتصر على خوض المعارك السياسية، بل يتعداه إلى صون الاستقرار وتعزيز حضور جزين في محيطها.
أما الدكتور فريد سرحال، الذي مثّل جزين بين عامي 1972 و1992 خلفاً لخاله مارون كنعان، فقد عُرف باعتداله وبمكانته الطبية والإنسانية، وترك أثراً طيباً في نفوس كثيرين من خلال رسالته الطبية، وإن كانت ظروف تلك المرحلة، بما حفلت به من حرب واحتلالات واضطرابات، قد حالت دون أن تشهد المنطقة نهضة إنمائية مماثلة لما عرفته في مراحل أخرى.
ثم جاءت المرحلة التي ارتبطت باسم النائب الراحل سمير إبراهيم عازار، والتي يمكن القول إنها شكّلت الذروة الإنمائية في تاريخ جزين الحديث. فقد شهدت المنطقة في عهده نهضة واسعة شملت المرافق الرسمية، والطرق، والمدارس، ومشاريع المياه والكهرباء، ودعم البلديات، وإعادة إطلاق الحركة السياحية والثقافية، حتى استعادت جزين مكانتها الطبيعية على الخريطة الإنمائية والسياحية للبنان.
ولم تكن هذه الإنجازات مجرد مشاريع متفرقة، بل كانت تعبيراً عن فلسفة سياسية آمنت بأن خدمة الإنسان هي الطريق الأقصر إلى خدمة الوطن، وأن الإنماء هو الوجه العملي للاعتدال.
ولعل من حسن حظ جزين أن هذا النهج لم ينقطع برحيل رجاله، بل وجد من يواصل حمل رايته. وقد بدا ذلك واضحاً في الدور الذي اضطلع به النائب السابق إبراهيم سمير عازار خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، وما رافقه من موجات نزوح كبيرة نحو المنطقة. ففي الوقت الذي ساد فيه الخوف في بعض الأوساط، وارتفعت أصوات الانفعال، اختار طريقاً مختلفاً، فكان حاضراً بين الناس، مواكباً لشؤون الوافدين، ومتعاوناً مع البلديات والفعاليات، مؤمناً بأن حماية جزين لا تكون بإغلاق أبوابها، بل بالحفاظ على وحدتها الداخلية، وعلى تقاليدها القائمة على الاحتضان وحسن الجوار.
ولم يكن هذا الموقف، في تقديري، وليد ظرف استثنائي، بل امتداداً طبيعياً لمدرسة سياسية عرفت أن الاعتدال ليس ضعفاً، بل قوة، وأن العلاقة المتوازنة مع المحيط ليست تنازلاً، بل ضمانة لاستقرار المنطقة وأمنها ومستقبلها.
لقد أثبتت التجربة، منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن جزين كانت تتقدم كلما اقتربت من الاعتدال، وكانت تدفع أثماناً باهظة كلما استسلمت للخطابات التي تقوم على الاستقطاب وإثارة العصبيات. وليس المقصود من ذلك تمجيد أشخاص أو الانتقاص من آخرين، فلكل مرحلة رجالها وظروفها، وإنما التأكيد أن التجارب الطويلة لا تُقاس بالشعارات، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس.
لقد تعاقب الرجال، وتبدلت الأسماء، وبقيت جزين. وبقي معها نهج أثبت، مرة بعد أخرى، أن الاعتدال ليس مجرد خيار سياسي، بل هو شرط من شروط بقائها وازدهارها. فالأشخاص يرحلون، أما النهج الذي يجمع الناس، ويحفظ كرامتهم، ويصون وحدة مجتمعهم، فهو وحده الذي يستحق أن يبقى
