
كتبت غادة حلاوي في "موقع المدن" التالي : لم يكن اغتيال مديرة مدرسة النبطية الفوقا، المربّية إسبيرانزا غندور، مجرد جريمة إسرائيلية جديدة تُضاف إلى سجل الاعتداءات على لبنان، بل شكّل إعلانًا عمليًا عن كيفية تطبيق اتفاق الإطار.
فمنذ توقيعه، تتصرف إسرائيل على أساس أنها صاحبة الحق في تفسير الاتفاق وتنفيذه وفرض شروطه، فيما يكتفي لبنان بردود فعل خجولة، وكأن السيادة أصبحت موضوعًا للتفاوض اليومي لا حقًا ثابتًا للدولة.
اليوم، نفّذت إسرائيل، عمليًا، المرحلة الأولى من اتفاق الإطار الموقّع مع لبنان، باغتيال المربّية إسبيرانزا غندور. اغتيلت، كما اغتيل كثيرون غيرها منذ اتفاق وقف إطلاق النار، فيما فجّرت إسرائيل أحياءً بكاملها، وجرفت المنازل، واستمرت في توجيه الإنذارات إلى الأهالي.
وبفضل هذا الاتفاق، بات لها أن تحدد طبيعة من يدخل إلى البلدات الجنوبية، وأن تفرز الداخلين بين سكان حقيقيين وزوار. هنا دخلت إسرائيل إلى عمق العمق اللبناني، لا عسكريًا فحسب، بل إداريًا وأمنيًا أيضًا. تمنع على أهل الجنوب استقبال الزوار، ولها أن تدّعي أنهم من عناصر حزب الله متى شاءت، ما دامت تجد من يبرر لها فعلها. فلا يُسمع بيان شجب أو إدانة، ولا من يهدد بتجميد الاتفاق، ولا حتى اجتماع سياسي جدي يعيد النظر في مسار بات يفرض على اللبنانيين وقائع جديدة، فيما يُراد للجيش الوطني أن يبدو وكأنه يعمل تحت الإمرة الإسرائيلية، ولو بالواسطة.
ولم يقتصر الأمر على الميدان. فقد عطّل اتفاق الإطار البلد، وجمّد العلاقة بين الرئاسات الثلاث، وانقطع التواصل بين الثنائي وبعبدا، التي وإن نالت تفويضًا سياسيًا واسعًا لإدارة المفاوضات المباشرة، لم تعد تجد من يؤيد الاتفاق الذي وُقّع من دون أن يتمكن لبنان من تعديل أي من بنوده، بينما مُنحت إسرائيل حق إدخال التعديلات التي طلبتها.
وفي خضم هذا المشهد، وضعت الدولة نفسها في ورطة قانونية وسياسية. فهي تستفتي أهل الاختصاص في القانون حول ما إذا كان عرض اتفاق الإطار على مجلس الوزراء ملزمًا، وقد أجمع مستشارون قانونيون على أنه غير ملزم. لكن السؤال الحقيقي ليس هنا. فما الحاجة أصلًا إلى عرض اتفاق هو، في جوهره، أقرب إلى دفتر شروط إسرائيلي على لبنان؟ فكل بنوده، بما فيها الملحق الأمني، تتحدث عن المطلوب من لبنان، فيما تكاد تخلو من التزامات إسرائيلية واضحة ومحددة وقابلة للمساءلة.
وما يزيد من خطورة الأمر أن كل ما يتعلق باتفاق الإطار وتفاصيله يُستقى من الإعلام الإسرائيلي أو من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين. الجميع ينتظر زيارة قائد قوات مشاة البحرية الأمريكية في القيادة المركزية (سنتكوم)، الفريق جوزيف كليرفيلد وما سيحمله من إسرائيل بشأن المناطق التجريبية والمراحل اللاحقة. كما أن ما ينشره الإعلام الإسرائيلي عن المطلوب من الجيش اللبناني، وصولًا إلى الحديث عن ضباط غير متعاطفين مع حزب الله، لم يجد حتى الآن من ينفيه أو يرفضه رسميًا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير من أن اتفاق الإطار شرعن الوجود الإسرائيلي في لبنان.
ولم يعد مستغربًا، في ضوء ذلك، أن يعلن سفير إسرائيل في واشنطن، يحيئيل ليتر، أن الجولة المقبلة من المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية ستُعقد في روما يومي 14 و15 تموز، فيما يكتفي الجانب اللبناني بانتظار ما سيُطرح عليه.
أما داخليًا، فقد دخل لبنان في حالة جمود سياسي. إسقاط الحكومة في الشارع غير وارد في قاموس الثنائي، لكن الاتفاق أيضًا لا يُطبّق كما قيل للبنانيين. وقد يستمر هذا الستاتيكو حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية في تشرين، إلا إذا أُعيد تفعيل مسار إسلام آباد لإعادة التوازن. ويتحدث حزب الله عن معطى يعتبره دقيقًا، مفاده أن إيران سترفض استكمال المفاوضات إذا لم تُفعّل الخلية التي شُكّلت في إطار إسلام آباد لمتابعة تطبيق وقف إطلاق النار في لبنان.
في المقابل، يراهن فريق آخر على الجناح الأميركي الراعي لمفاوضات واشنطن. فما دامت إيران تمون على حزب الله، يرى هذا الفريق أن الحوار المباشر معه قد لا يكون ضروريًا، وأن استمرار المفاوضات الأميركية – الإيرانية سيُبقي واشنطن منخرطة في الملف اللبناني.
لكن، وإلى أن تتضح صورة هذه المفاوضات، يعيش لبنان تحت وطأة ضغوط متزايدة تتركز على انتشار الجيش اللبناني في ما يسمى المناطق التجريبية. ومن المفترض أن يحمل كليرفيلد معه جوابًا إسرائيليًا بشأن المرحلة الثانية من الانتشار، والمرحلة التي تليها، وإمكان توسيع نطاق هذه المناطق.
ورغم أن الجيش اللبناني لم يتبلغ بعد أي معطيات جديدة تتعلق بالمناطق التجريبية، فإن عودة كليرفيلد تهدف إلى الإشراف على الانتشار الجديد ومواكبة تنفيذه، فيما لا يزال مصير تلة علي الطاهر مجهولًا، مع إصرار إسرائيل على تسليمها إلى الجيش ضمن رؤيتها الخاصة لمسار التنفيذ.
المشكلة لم تعد في نص الاتفاق وحده، بل في ميزان القوى الذي يحكم تطبيقه. فحين يحتكر طرف واحد حق تفسير الاتفاق، وتحديد مراحله، ورسم آليات تنفيذه، فيما يكتفي الطرف الآخر برد الفعل، يصبح الاتفاق أداة لإدارة السيادة اللبنانية لا لاستعادتها.
الخطر الحقيقي ليس في أن اتفاق الإطار لم يُطبَّق، بل أنه يُطبَّق وفق الإرادة الإسرائيلية وحدها. وعندها، لا يعود السؤال من ربح الاتفاق ومن خسره، بل كيف انتقل لبنان، تدريجيًا، من المطالبة بوقف العدوان واستعادة السيادة إلى واقع تُدار فيه شؤون الجنوب، وتُرسم حدوده الأمنية، وتُحدد قواعد الحركة فيه، وفق شروط يضعها الطرف الآخر.
