Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • سياسية عامة
  • الثلاثاء 17 آذار 2026

خطة الاجتياح: عقيدة المناطق العازلة ومخاطر الاستنزاف

خطة الاجتياح: عقيدة المناطق العازلة ومخاطر الاستنزاف

كتبت صحيفة "الأخبار": لم يكن التقدّم الإسرائيلي بعمق يتراوح بين 7 و9 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية حدثاً ميدانياً معزولاً أو مجرد تفصيل عملياتي فرضته مجريات الاشتباك على الحدود الجنوبية. بل يندرج في سياق يتقاطع فيه مستوى عملياتي مباشر يرتبط بالمواجهة، ومستوى استراتيجي يتصل بكيفية ترجمة إسرائيل لمفهومها الأمني الجديد بعد طوفان الأقصى، وبمحاولة استثمار الحرب للضغط على البنية الداخلية اللبنانية سياسياً وأمنياً واجتماعياً.

هذا التوغّل يمثل ترجمة عملية لفكرة المنطقة العازلة، والتي طرحها رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو قبل نحو عشرة أيام من اندلاع الحرب، باعتبارها جزءاً من «المفهوم الأمني الجديد» الذي تبلور في إسرائيل عقب الانكشاف الاستراتيجي الكبير الذي أحدثه طوفان الأقصى.

ووفق هذا التصور، لم تعد إسرائيل تعتبر أن أمنها يقوم على الردع من خلف الحدود فقط، بل على إنشاء هوامش ميدانية أمامية وفرض وقائع احتلالية. وعندما يتحدث نتنياهو عن إصرار إسرائيل على وجود «مناطق عازلة» لها في لبنان وسوريا، فهو لا يربط الفكرة بحرب ظرفية، بل يطرحها كجزء من بنية أمنية جديدة تسعى إسرائيل إلى تثبيتها كأمر دائم. وبهذا المعنى، لا يبدو التقدّم البري مجرد رد فعل على تهديد قائم، بل أحد تطبيقات العقيدة الأمنية المحدثة التي ترى أن الحماية تتحقق عبر التقدّم إلى الأمام، لا بالاكتفاء بالدفاع من خلف الحدود.

ومع ذلك، فإن توقيت العملية وسياقها الظرفي يرتبطان بوضوح بتطور المعارك على الحدود. فجيش العدو قدّم تبريراً عملياتياً مباشراً لتوغله عندما تحدث عن «توسيع حيز الدفاع الأمامي». والعبارة ليست تقنية محضة، بل تنطوي على اعتراف ضمني بمشكلة أساسية واجهها الجيش منذ بداية الحرب، حيث لم ينجح في إبعاد المقاومة عن الخط الحدودي، كما لم يتمكن من تحويل ما اعتقد أنه إنجاز استخباري وعسكري ضد بنية المقاومة جنوب الليطاني إلى واقع ميداني يتيح له حرية الحركة والاندفاع البري السلس.

الأهم، أن ما جرى جاء، إلى حدّ بعيد، معاكساً لتقديرات العدو، الذي حاول افترض أن الطريق بات ممهداً بعد خمسة عشر شهراً من العمليات لتفكيك بنية المقاومة في منطقة جنوب الليطاني، وبعدما سوّق نتنياهو لرواية أن قدرات حزب الله دُمّرت. غير أن الوقائع، كشفت أن الميدان لا يطابق هذه السردية، وأن قدرات المقاومة لم تُستأصل، بل بقيت - رغم الضربات القاسية التي تعرضت لها - قادرة على إعادة التنظيم والمبادرة وإنتاج مفاجآت ميدانية. ولذلك فإن التصدي الذي واجهته قوات الاحتلال لم يُسقط خطة تكتيكية مباشرة فحسب، بل أصاب أيضاً الادعاء السياسي المركزي القائل إن الجنوب بات مكشوفاً وسهل الإخضاع.

هنا، يصبح التوغّل الجديد محاولة إسرائيلية لمعالجة إخفاق سابق، وفي الوقت نفسه محاولة لطمأنة مستوطني الشمال وإعادة تثبيت صورة القدرة بعد أن اهتزت. فالحديث عن «توسيع حيز الدفاع» لا يعني فقط إبعاد المقاتلين عن الحدود، بل أيضاً استعادة ثقة الجيش بقدرته على فرض شكل المعركة، بعدما أجبرته المقاومة في مراحل سابقة على القتال ضمن شروط غير مريحة.

على المستوى الاستراتيجي، فالمهم هو هذا القدر النسبي من الوضوح في إعلان النوايا. فإسرائيل، تبدو اليوم أكثر صراحة في التعبير عن تصوراتها لمستقبل الجبهة الشمالية، وتصريحات نتنياهو قبل أيام من الحرب، لا تبدو مجرد موقف سياسي عابر، بل أقرب إلى تأطير عقائدي للحرب وما بعدها. وعندما يقول أن إسرائيل ستواصل تنفيذ «عمليات متكررة ومتجددة لتحييد المخاطر حسب الحاجة»، فهو يعلن صراحة أن الاعتداء لم يعد استثناءً تحكمه الظروف، بل بات جزءاً ثابتاً من نمط إدارة الأمن الإسرائيلي في المحيط.

عمليا، لم تعد المسألة محصورة في ردع حزب الله أو تقليص تهديده، بل محاولة فرض صيغة إقليمية جديدة تصبح فيها السيادة اللبنانية والسورية مسألة ثانوية أمام متطلبات الأمن الإسرائيلي. أي أننا أمام محاولة نقل الاعتداء من مستوى الفعل الظرفي إلى مستوى القاعدة الاستراتيجية الدائمة، ما يجعل التوغّل البري جزءاً من مسعى أوسع لترجمة هذه الرؤية إلى وقائع ميدانية قابلة للتثبيت السياسي لاحقاً.

وفي هذا السياق، تكتسب مسألة طلب الجيش الإسرائيلي رفع عدد قوات الاحتياط المستدعاة من نحو 280 ألفاً إلى 450 ألفاً دلالة خاصة. فالأمر لا يتعلق فقط بحاجة عسكرية تقنية، بل بإشارة سياسية - عسكرية كثيفة المعنى. فهذا الرقم، الذي يتجاوز ما استدعته إسرائيل مباشرة بعد طوفان الأقصى، يوحي بأن المؤسسة العسكرية تستعد لخيارات عملياتية أوسع، وتتهيأ لاحتمال توسيع العمليات البرية إلى مدى أبعد وأكثر كلفة. وهو في الوقت نفسه رسالة ضغط وردع موجّهة إلى لبنان والمقاومة، وكذلك إلى البيئة الداخلية اللبنانية.

لكنها خطوة تعكس التجاذب الداخلي داخل إسرائيل. حيث تستمر التوترات بين الجيش والمستوى السياسي منذ طوفان الأقصى، وهي تعمّقت أكثر بعدما استبق حزب الله العملية الهجومية التي كانت إسرائيل تعدّ لها لتوجيه ضربة افتتاحية قاصمة ضد المقاومة. وهذا يعني أن الاستدعاء الواسع للاحتياط ليس مجرد استعداد للميدان، بل جزء من إدارة صراع موازٍ داخل إسرائيل نفسها بين مؤسسة عسكرية تسعى إلى هامش أوسع للعمل، ومستوى سياسي يريد تحقيق نتائج كبيرة تعيد ترميم صورة الردع أمام الجمهور الإسرائيلي.

ومن هنا يمكن فهم النقاش داخل الكيان الإسرائيلي حول أن الحرب لا تتعلق بالحدود فحسب، بل بمحاولة إنتاج معادلة داخلية مختلفة في لبنان. فإسرائيل تدرك أن الحرب السابقة، على شدتها، لم تنجح في تقويض موقع حزب الله داخل المعادلة السياسية اللبنانية، ولم تُحدث التحول الداخلي الذي يترجم الإنجاز العسكري المزعوم إلى وقائع سياسية. لذلك يبدو أن بعض أهداف التصعيد الحالي يرتبط بمحاولة استكمال ما عجزت عنه الحرب السابقة، عبر مزيج من الضغط العسكري والإعلامي والسياسي لإعادة توجيه السجال الداخلي اللبناني وتحميل المقاومة مسؤولية الكلفة والمخاطر.

غير أن هذه الحسابات، رغم تماسكها النظري من منظور العدو، تبقى مرهونة بالميدان أولاً وأخيراً. فالمقاومة، وفق ما يظهر من سياق سلوكها، لم تنتقل إلى الرد على اعتداءات العدو إلا بعد أن قطعت شوطاً مهماً في تكييف تكتيكاتها وأدواتها مع المتغيرات الميدانية والسياسية. وما يظهر في المواجهات يشير إلى مفارقة مأزقية قد تواجهها إسرائيل: فكلما وسّعت نطاق احتلالها سعياً إلى تحقيق قدر أكبر من الأمان، ازدادت احتمالات تحوّل هذا التوسع إلى مصدر استنزاف دائم.

وهنا تبدأ المعضلة الإسرائيلية الحقيقية. فالمناطق العازلة التي تُطرح بوصفها حلاً أمنياً قد تتحول إلى عبء أمني، لأن كل توسّع في الاحتلال سيفضي إلى نمط دائم من الاحتكاك والاستنزاف، وهو لن يوفّر حماية للمستوطنات الشمالية. ولهذا بدأت ترتفع داخل إسرائيل أصوات تحذّر من الغرق في «مستنقع لبناني» جديد.

وإذا كانت إسرائيل تراهن على أن الضغوط ستُلقى على الداخل اللبناني وحده، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن الحروب الطويلة وغير المحسومة تعيد أيضاً إنتاج الضغط داخل الكيان، من الجيش والحكومة والمستوطنين، وصولا الى صورة الردع. وعندها لا يعود السؤال فقط: ماذا يستطيع الجيش الإسرائيلي أن يحتل؟ بل ما الذي يمكنه أن يحتفظ به، وبأي كلفة، وإلى أي مدى يمكن لهذا الاحتلال أن يغيّر التوازنات من دون أن يستدعي أشكالاً جديدة من المقاومة والاستنزاف.

الصورة : صورة يقول جيش العدو الإسرائيلي إنها لقوة متوغلة في جنوب لبنان (من الويب)

تواصل معنا
صيدا - لبنان
mosaleh606@hotmail.com
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة