
كتب عبد الحليم حمود في "موقع 180 بوست التالي : رحل أحمد قعبور، وترك الباب مواربًا على صوتٍ يعرف كيف يمشي بين الناس كأنه واحدٌ منهم، يمسّ أكتافهم برفقٍ ويجلس قرب تعبهم دون ضجيج.
في بيروت، المدينة التي تتقن جمع الضوء مع الرماد، كان صوت أحمد قعبور مصباحًا صغيرًا يُضيء الأزقة ويهمس للحجارة أن تتذكّر أسماءها؛ ولد عام 1955، وكبر بين وتر كمانٍ في يد الأب وحارةٍ تعرف كيف تصنع من العناء خبزًا، فصار هو الخبز حين غنّى، وصار اللحن طريقًا مفتوحًا على وجوهٍ كثيرة تشبهه؛ “أناديكم”، ولم تكن أغنيةً عابرة، كانت يدًا ممدودة من قلبٍ إلى قلوب، كانت نافذةً تُفتح على فلسطين من دون حدود، وكانت الكلمات التي كتبها توفيق زياد تبحث عن حنجرة، فوجدته واقفًا في منتصف الطريق، يلتقطها ويعيدها إلى الناس كأنها لهم منذ البدء.
قال أحمد قعبور “نحنا الناس”، فصار الناس صوته، وصار هو لغتهم حين تضيق اللغة، في الجنوب، حيث التراب يحتفظ بخطى العائدين، كان يغنّي كأن الزيتون ينصت، وكأن القرى تحفظ اللحن كما تحفظ أسماء من مرّوا فيها وتركوا أثرًا، يغنّي فتتسع الحقول، وتلين الحجارة قليلًا، ويصير التعب قابلًا للحياة.
وفي شهر رمضان، حين يهدأ القلب وتخفّ وطأة النهار، كان صوته يأتي مثل ماءٍ دافئ ينساب في البيوت، يُعلّم الأطفال أن الأغنية نافذةٌ على الفرح، وأن اللحن قادر على أن يحمل الضوء إلى الزوايا البعيدة، يزرع ابتسامةً صغيرة في وجه الليل. غنّى أحمد قعبور للمقاومة، للأرض، للناس، للطفولة التي ترفض أن تكبر قبل أوانها؛
غنّى لبيروت كأنها امرأةٌ تنهض كل صباح وتخفي جراحها في ضوء البحر، يلمّ شتاتها بنغمةٍ ويعيد ترتيب القلب على إيقاعٍ يحتمل البقاء. كان فنانًا يقف إلى جانب الحياة حين تتعب، يضع صوته حيث يحتاج الناس إلى صوت، ويمنح اللحن معنىً يشبه الطريق حين يُفتح بعد طول انتظار.
الآن يمضي كأغنيةٍ خرجت من جسدها وتركت صداها يتوزّع في الهواء؛ يمضي ويترك صوته يمشي بيننا، في الطرقات، في المدارس، في دفاتر الأطفال، في ذاكرة مدينةٍ تعرف أن بعض المغنين يتحوّلون إلى جزءٍ من جغرافيتها؛
يا أحمد، يا من جعلت الغناء يشبه الخبز ويشبه الوطن، نم هادئًا، فالذين ناديتهم ما زالوا هنا، يُردّدون الصوت ويُكملون الأغنية.
يا أحمد، لا نُودّعك بل نترك لك مكانًا بيننا، في كل مرة نحتاج فيها إلى صوتٍ يقول لنا، بهدوءٍ يشبهك: الغناءُ ما زال ممكنًا، والقلبٌ، مهما أثقلته الأيام، قادرٌ أن يبقى حيًّا.
**رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني
