Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • دراسات ومقالات
  • الخميس 23 تموز 2026

جزين… حين انتصر الاعتدال

جزين… حين انتصر الاعتدال

المحامي سعيد بوعقل

ليست كل المدن سواء في الدور الذي رسمه لها التاريخ، فهناك مدن تعيش على هامش الأحداث، وأخرى تجد نفسها في قلبها شاءت أم أبت. وجزين كانت، منذ قيام لبنان الكبير، واحدة من تلك المدن التي لم يسمح لها موقعها الجغرافي بأن تكون مدينة عادية. فهي تتوسط الجنوب اللبناني، وتشكل نقطة التقاء بين صيدا والساحل من جهة، وجبل لبنان والبقاع من جهة أخرى، حتى غدت، بحق، فاصلاً وواصلاً في آن واحد، تجمع أكثر مما تفرق، وتوحد أكثر مما تقسم.


ولعل هذا الموقع، الذي استقطب إليها أبناءها الحاليين منذ قرون، هو نفسه الذي فرض عليها دوراً وطنياً استثنائياً، فلم يكن أمامها سوى أن تكون مساحة لقاء بين اللبنانيين، لا ساحة صراع بينهم. ومن هنا نشأ نهج الاعتدال الذي أصبح مع مرور الزمن جزءاً من هوية المدينة، لا شعاراً انتخابياً يرفع عند الاستحقاقات ثم يطوى بانتهائها.


ومن يتأمل تاريخ جزين يدرك أن هذا الاعتدال لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة وعي عميق لدى أبنائها، وتجسيداً لنهج حمله رجالاتها منذ فجر الاستقلال، بل ربما قبل ذلك، فأدركوا أن قوة المدينة لا تكون في الانغلاق على ذاتها، ولا في قطع جسورها مع محيطها، بل في انفتاحها، وفي قدرتها على الجمع بين الثبات على المبادئ الوطنية وحسن العلاقة مع مختلف مكونات الوطن.


ولم يكن هذا النهج ترفاً فكرياً، بل فرضته ظروف لبنان نفسه، ذلك الوطن الذي لم يكد يخرج من مخاض استقلاله حتى وجد نفسه في مواجهة الأزمات المتلاحقة، من نكبة فلسطين وقيام الكيان الصهيوني، إلى أحداث عام 1958، فالحرب الأهلية، والاجتياح الإسرائيلي، والاحتلال الطويل، وصولاً إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الجنوب.


وفي كل تلك المحطات، كانت جزين أمام امتحان صعب: هل تنجر إلى لغة الغرائز والانقسامات، أم تتمسك بالعقل والحكمة؟


لقد جاء الجواب دائماً واحداً.
فعندما انقسم لبنان عام 1958، واشتعلت البلاد بالصراعات السياسية والطائفية، أدرك النائبان الراحلان جان عزيز ومعروف سعد أن أمن صيدا وجزين لا يتجزأ، وأن استقرار إحداهما هو استقرار الأخرى، فنسجا معاً نموذجاً من التعاون والحوار جنّب المنطقتين كثيراً من المآسي التي أصابت سواهما.


ثم اندلعت الحرب الأهلية عام 1975، ودخل لبنان واحدة من أكثر مراحله دموية. ومع ذلك، بقيت جزين، رغم كل الضغوط، متمسكة بخيارها التاريخي، رافضة أن تتحول إلى ساحة للكراهية أو إلى منصة للتحريض، ومدركة أن الفتنة، مهما حملت من شعارات، لا تنتج إلا الخراب.


وجاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ليضع المدينة أمام امتحان أشد قسوة، خصوصاً مع حرب الجبل وما رافقها من موجات تهجير طاولت مناطق واسعة من لبنان. إلا أن رجالات جزين وفاعلياتها وأهلها تمكنوا، بحكمتهم وصلابتهم، من حماية المدينة ومنع تهجيرها، في وقت كانت فيه مدن وبلدات كثيرة تفقد أبناءها. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يوفد البابا ممثله الخاص للإقامة بين أبناء جزين، في رسالة طمأنة ودعم، عكست الثقة الدولية بصمود هذه المدينة وتمسك أهلها بأرضهم.


وخلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي التي استمرت حتى التحرير، بقيت جزين تعاني كما عانى الجنوب كله، لكنها لم تفقد بوصلتها الوطنية، وكان للنائب الراحل سمير إبراهيم عازار دور بارز في تثبيت صمودها، والدفاع عن مصالح أهلها، والمحافظة على حضورها الوطني إلى أن عاد الجنوب محرراً، فعادت معه جزين إلى حضن الوطن مرفوعة الرأس.


لكن ما يلفت في تاريخ هذه المدينة ليس فقط قدرتها على الصمود، بل قدرتها على تحويل المحن إلى فرص للوحدة الوطنية. ففي كل عدوان إسرائيلي على الجنوب، كانت جزين تفتح أبوابها أمام النازحين، لا تسألهم عن انتمائهم ولا عن طائفتهم، بل تراهم أبناء وطن واحد تجمعهم المصيبة نفسها. وقد تجسد هذا المشهد بأوضح صوره خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، حين احتضنت عشرات الآلاف من الوافدين، فأثبتت مرة جديدة أن الاعتدال ليس خطاباً سياسياً، بل ثقافة مجتمع بأكمله.


ولو تأملنا هذه المحطات جميعها، لوجدنا أن القاسم المشترك بينها لم يكن الأشخاص بقدر ما كان النهج الذي حملوه. فالرجال تعاقبوا، والظروف تبدلت، والتحالفات تغيرت، لكن جزين بقيت، في كل مرة، تعود إلى الخيار نفسه، وكأنها تدرك بفطرتها السياسية أن ما يحمي المدن ليس ارتفاع الأصوات، بل رجاحة العقول.

 

في المقابل، لم تغب عنها محاولات استقطابها نحو مشاريع قامت على استنهاض العصبيات وإثارة المخاوف، وتصوير الاعتدال على أنه ضعف، والانفتاح على أنه تنازل، والعلاقة الطبيعية مع محيطها على أنها تفريط بالهوية. غير أن التجربة التاريخية أثبتت العكس تماماً. فكلما ارتفعت أصوات التطرف، ازدادت جزين تمسكاً باعتدالها، لأنها كانت ترى في الانقسام خطراً على وجودها، وفي الحوار ضمانة لمستقبلها.


فالاعتدال في جزين لم يكن حياداً بين الحق والباطل، ولم يكن تراجعاً عن الثوابت الوطنية. فالمدينة كانت دائماً في صلب القضايا الوطنية، ودفع أبناؤها، مع سائر أبناء الجنوب، أثمان الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، ووقفوا إلى جانب كل من ناضل لتحرير الأرض وصون السيادة. لكنها رفضت، في الوقت نفسه، أن تجعل من الانقسام الداخلي قدراً، أو من التحريض وسيلة للعمل السياسي.


ولذلك، فإن المدرسة التي مثلها في مراحل مختلفة رجال أمثال جان عزيز، ومارون كنعان، وفريد سرحال، وسمير إبراهيم عازار، لم تكن مجرد محطات سياسية متعاقبة، بل كانت تعبيراً عن قناعة راسخة لدى أكثرية أبناء جزين بأن مستقبل مدينتهم لا يبنى بالشعارات الصاخبة، وإنما بالحكمة، وبحسن إدارة العلاقة مع جميع مكونات الوطن، وبالتمسك بالمصلحة الوطنية العليا.


ومن هذا المنطلق، يمكن فهم استمرار هذا النهج اليوم من خلال النائب السابق إبراهيم سمير عازار، الذي اختار أن يسير على الخط نفسه، محافظاً على خطاب الاعتدال، وعلى انفتاحه على الجميع، وعلى حضوره إلى جانب أبناء منطقته في مختلف الظروف، مؤمناً بأن المسؤولية الوطنية لا تقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الإنسان على جمع الناس حول القضايا التي توحدهم، لا حول الخلافات التي تفرقهم.


لقد حاول كثيرون، على امتداد العقود، أن يصادروا قرار جزين، وأن يجرّوها إلى حيث تنتصر الغرائز على العقل، والانفعال على الحكمة، غير أن المدينة كانت، في كل مرة، تعود إلى ذاتها، وإلى وعي أبنائها، وإلى ذاكرتها الوطنية التي علمتها أن التطرف قد يصنع ضجيجاً، لكنه لا يصنع استقراراً، وأن الطائفية قد تحشد جمهوراً، لكنها لا تبني وطناً، ولا تحمي مدينة.
وهكذا، إذا كان للتاريخ أن يصدر حكمه، فإن هذا الحكم يبدو واضحاً لا لبس فيه: لقد انتصر الاعتدال في جزين، لا لأنه كان الأعلى صوتاً، بل لأنه كان الأصدق تجربة، والأكثر قدرة على حماية الإنسان والأرض، والأوفى لرسالة المدينة التي شاء لها موقعها أن تكون جسراً بين اللبنانيين، لا متراساً يفصل بينهم.


وهذه هي جزين… مدينة أدركت، منذ زمن بعيد، أن الاعتدال ليس مساومة على المبادئ، بل هو شجاعة في الدفاع عنها بعقل وحكمة، وأن الانفتاح ليس تخلياً عن الهوية، بل أرقى وسائل صونها. ولذلك بقيت، وستبقى، نموذجاً لمدينة تعرف كيف تختلف من دون أن تنقسم، وكيف تتمسك بقناعاتها من دون أن تدير ظهرها لوطنها أو لمحيطها. وان المحافظة على هذا الارث ليست مسؤولية جيل فحسب ، بل مسؤولية كل جيل جديد لان المدن لا يحميها الحجر وحده ، بل تحميها أيضاً القيم التي آمن بها أبناؤها ودافعوا عنها عبر الزمن.

تواصل معنا
صيدا - لبنان
[email protected]
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة