Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • دراسات ومقالات
  • الأحد 9 آب 2026

جزين… مدينة تُراكم الإنجازات ولا تبدأ تاريخها من جديد

جزين… مدينة تُراكم الإنجازات ولا تبدأ تاريخها من جديد

المحامي سعيد بوعقل
في المدن العريقة لا يُكتب التاريخ بقرار، ولا يبدأ مع مجلس بلدي أو نائب أو مسؤول، ولا ينتهي برحيل أحد. فالتاريخ الحقيقي هو تراكم جهود رجال ونساء تعاقبوا على خدمة مدينتهم، أضاف كل منهم حجراً في بنائها، حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم.
وجزين واحدة من هذه المدن.
فمن يعرف تاريخها يدرك أن سرّ بقائها لم يكن في الحجر وحده، بل في الاعتدال الذي حكم أبناءها، وفي رفضهم الدائم لمنطق الإلغاء، وفي اقتناعهم بأن المدينة أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأسمى من الحسابات السياسية الضيقة.
ولعل خير شاهد على ذلك مدخل جزين الشمالي.
ففي عام 1897، لم ينتظر أبناء جزين دولة ولا شركة متخصصة، بل حملوا المعاول والمطارق والبارود وشقّوا الصخر الصواني بأيديهم، ففتحوا معبر المدينة نحو صيدا وسائر لبنان، في عمل بطولي بقي أكثر من قرن شاهداً على إرادة الجزينيين وإيمانهم بمدينتهم.
ثم مرّت السنوات، وتعاقبت المجالس البلدية، وارتفع عام 1956 تمثال السيدة العذراء فوق الصخرة المشرفة على المعبور، ليصبح المدخل رمزاً دينياً ووطنياً يرحب بكل قادم إلى جزين.
وبعد أكثر من مئة عام على شق المعبور، شهد هذا المدخل أول عملية توسيع جذرية في تاريخه، فانتقل من معبر ضيق إلى مدخل حديث يتناسب مع مكانة جزين كمدينة سياحية وثقافية، مع المحافظة على طابعه التاريخي والديني. وكان ذلك امتداداً طبيعياً لما بدأه الآباء، لا قطيعة معه ولا إلغاء له.
واليوم، تعود اللافتة التاريخية “جزين… عروس الشلال ترحب بكم” لترتفع من جديد عند المدخل الشمالي، في مبادرة جميلة تستحق التقدير من ابن صيدا القنصل الدكتور حامد ابو ظهر ، لأنها مبادرة تعيد إلى الذاكرة عبارة ارتبطت في وجدان أجيال من أبناء جزين وزوارها.
غير أن هذه المناسبة تحمل في طياتها معنى أعمق من مجرد رفع لافتة.
إنها تذكّرنا بأن المدن لا تعيش بإنجاز واحد، بل بسلسلة من الإنجازات المتعاقبة، وأن من الظلم أن نحتفي بمحطة ونغفل أخرى، أو أن نُبرز عملاً ونُسقط من الذاكرة ما سبقه. فاللافتة جزء من تاريخ المدخل، كما أن شقّه، وتوسيعه، وتأهيله، وصيانة مزار السيدة، كلها صفحات متكاملة من تاريخ واحد.
ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يخرج به أبناء جزين من هذه المناسبة هو التأكيد على ثقافة الوفاء، والاعتراف بأن لكل جيل رجاله، ولكل مرحلة من خدم المدينة بإخلاص، وأن الإنصاف يقتضي أن يُذكر الجميع بما لهم، لا بما اختلفنا معهم عليه.
لقد دفعت جزين في مراحل مختلفة أثمان الانقسام السياسي، وشهدت أحياناً محاولات لإلغاء ما أنجزه السابقون لمجرد أنهم ينتمون إلى خط سياسي مختلف. ولم يكن أحد رابحاً من هذه الثقافة، لأن الخاسر الأول كان دائماً المدينة نفسها.
أما اليوم، فيبدو أن ثمة مناخاً مختلفاً بدأ يتكرس، يقوم على الانفتاح والتعاون والابتعاد عن لغة الإلغاء. وهذا أمر يستحق التشجيع، لأنه يعيد الاعتبار إلى النهج الذي حفظ جزين عبر تاريخها: نهج الاعتدال.
ولا يمكن في هذا السياق إلا الإشارة إلى الدور الذي أداه النائب السابق المحامي إبراهيم سمير عازار في ترسيخ هذا النهج، من خلال مقاربة تقوم على الانفتاح والتعاون ومدّ الجسور، واضعاً مصلحة جزين فوق أي اعتبار آخر. كما يُسجل للمجلس البلدي الحالي ورئيسه اعتمادهما هذا الأسلوب الهادئ في إدارة الشأن العام، وهو ما انعكس أجواءً أكثر إيجابية في المدينة وعلاقاتها مع محيطها، ولا سيما مع مدينة صيدا والجوار، وهي علاقات كانت ولا تزال تشكل ركيزة من ركائز ازدهار جزين ودورها الوطني.
إن الاعتدال ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تبدأ بالاعتراف بفضل من سبق، ثم البناء على ما أنجزه، لا هدمه أو تجاهله.
فمن يحترم التاريخ، يصنع مستقبلاً أفضل.
أما من يظن أن التاريخ يبدأ معه، فإنه لا يلبث أن يكتشف أن الأيام تمضي، والمناصب تتبدل، ويبقى وحده ما يُنجز للناس وللوطن.
وهكذا كانت جزين… وهكذا نريدها أن تبقى.
مدينة تحفظ ذاكرة رجالها، وتُكرم كل من خدمها بإخلاص، وتفتح أبوابها لكل إنجاز جديد، مؤمنة بأن التاريخ لا يبدأ بأحد، ولا ينتهي بأحد، وإنما يُبنى جيلاً بعد جيل، حتى تبقى المدينة أكبر من الجميع.

تواصل معنا
صيدا - لبنان
[email protected]
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة