
كتبت صحيفة "الأنباء" الالكترونية: بعدما هدأت نسبياً موجة التوقعات بشأن نتائج المفاوضات المباشرة مع العدو الاسرائيلي برعاية أميركية في العاصمة الايطالية روما، وبدء الحديث عن احتمال كبير بأن يتراجع لبنان عن المفاوضات نتيجة غياب الدعم الأميركي الجدي في الضغط على إسرائيل لتنفيذ وقف إطلاق النار والانسحاب من المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان ووقف خطتها الممنهجة بالتدمير والجرف الأمر الذي أخّر الاعلان عن موعد جديد للمفاوضات، انتقل الاهتمام الداخلي نحو ملفات تعنى بالشأن العام والتحرك الحكومي بشأنها، غير أن هذا الاهتمام لم يحجب الأنظار عن الحوار الذي أجراه الرئيس وليد جنبلاط على هامش توقيع كتاب مذكراته "قدر في هذا المشرق"، حيث كانت له مواقف حاسمة في ما يتعلق باتفاق الاطار والمفاوضات المباشرة والعلاقة مع سوريا الجديدة، وتجديد موقفه المؤيد لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.
وفي شأن داخلي آخر، تحظى الجلسة التشريعية العامة التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري باهتمام "طائفي" يتعلق بقانون العفو العام، واهتمام إعلامي لورود اقتراح قانون الاعلام بالصيغة التي لقيت اعتراضاً من نقابتي الصحافة والمحررين ما استدعى اجتماعاً عقد في مكتب نائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب خلص إلى تبني النواب الممثلين لمختلف الكتل التعديلات التي اقترحتها النقابتان، لكن تبقى العبرة بورودها في القانون بعد صدوره.
ولم يغب موضوع المحروقات التي شهدت سوقها اضطراباً شعبياً كبيراً عن الاهتمام الرسمي، حيث أعلن ممثل مستوردي المحروقات فادي أبو شقرا أن البواخر باشرت تفريغ حمولاتها وسيعود العمل في سوق المحروقات إلى طبيعته اعتباراً من اليوم.
جنبلاط
وقّع الرئيس وليد جنبلاط مذكراته "قدر في هذا المشرق"، خلال حفل تخلله حوار تناول فيه أبرز المحطات التي وثقها في الكتاب، إلى جانب قراءته للمرحلة الراهنة في لبنان والمنطقة، ومواقف من العلاقة مع سوريا و"حزب الله" وإسرائيل، وصولاً إلى تجربته السياسية وانتقال المسؤولية إلى نجله النائب تيمور جنبلاط.
وأوضح جنبلاط أنه بدأ العمل على مذكراته قبل نحو ثلاث سنوات، محاولاً استعادة ما أمكن من ذكريات نحو خمسين عاماً، لافتاً إلى أنه قرر إنهاء الكتاب عند اتفاق الطائف، إذ "لا يمكن وضع كل شيء، كما أن عدد الصفحات محدود".
وعن مسيرته السياسية، قال: "عندما استشهد كمال جنبلاط وتسلّمت العمل السياسي والحزب، كنت أقول إننا لا نزال في أول الطريق، واليوم بعد نحو خمسين عاماً لا نزال في أول الطريق، والطريق صعب جداً ومليء بالمخاطر".
وتوقف عند الاختلاف بين تجربته وتجربتي والده ونجله، قائلاً: "أنا لم أكن كمال جنبلاط، وابني لن يكون وليد جنبلاط"، موضحاً أن كمال جنبلاط أراد إخراج الدروز من الحيز الطائفي الضيق إلى تحالف عربي عريض، فيما كان من أبرز هواجسه خلال الحرب إخراجهم من أتونها.
وأكد أن تيمور جنبلاط تسلّم المسؤولية منذ سنوات، لكنه اضطر إلى العودة للقيام بدور أكبر بفعل حرب غزة وتداعياتها على لبنان، مشيراً إلى أنه يتعاون مع تيمور في مواجهة الظروف الحالية.
وفي الشأن الداخلي، شدد جنبلاط على ضرورة الحوار مع "حزب الله"، معتبراً أن مقاتليه "أتوا من لبنان، من الجنوب والبقاع، وهم ليسوا غرباء". وحذر من العودة إلى النظريات الانعزالية في التعامل مع مكونات المجتمع اللبناني.
وعن العلاقة مع سوريا، دعا إلى تحسين العلاقات بين البلدين "من دولة إلى دولة"، مؤكداً أن "تحسين علاقتنا مع سوريا وتمتينها مفيد جداً لتمتين الوحدة الوطنية في لبنان". وشدد في الوقت نفسه على رفض أن يكون لبنان ملحقاً بسوريا.
وفي ما يتعلق بإسرائيل والمسار التفاوضي، جدد جنبلاط تأييده مبدأ التفاوض، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسيط، لكنه رأى أن لبنان ذهب إلى المفاوضات "بورقة ضعيفة"، وأنه كان يجب التمسك بالاتفاقيات القائمة وفي مقدمها اتفاق الهدنة.
وحذر من أن ما يجري في الجنوب يتجاوز العمليات العسكرية، قائلاً إن "ما نشهده هذه المرة تدمير منهجي للبيت والحجر والتراث والمقابر، وكأن المطلوب مصادرة تراث الجنوبي واللبناني وذاكرته".
كما تحدث عن خشيته من التطبيع وانعكاساته على الثوابت اللبنانية، مذكراً بأن عقيدة الجيش حددت هوية العدو. وتساءل عن مصير هذه العقيدة في حال الوصول إلى مسار تطبيع مع إسرائيل؟
وعن الولايات المتحدة، أكد جنبلاط أن إسرائيل وأميركا حليفتان ومتداخلتان فكرياً وسياسياً وعسكرياً، لكنه أشار إلى أن الضغط الأميركي على إسرائيل يبقى ممكناً، مستحضراً ما جرى خلال أزمة السويس عام 1956.
وفي معرض حديثه عن إرث والده، رأى أن كمال جنبلاط آمن "بالصورة الكبرى القائمة على التعدد الديمقراطي في المنطقة"، وكان متمسكاً باستقلال لبنان وتطوير نظامه نحو نظام ديمقراطي علماني، إلى جانب انتمائه العربي وعلاقته بجمال عبد الناصر.
كما استعاد المصالحة التاريخية في الجبل، معتبراً أن المصالحة الوطنية التي بناها مع البطريرك الراحل نصرالله صفير تشكل محطة مرجعية ينبغي الحفاظ عليها مهما كانت الظروف، مع التمسك بالهوية العربية والحق الفلسطيني. وقال: "الحق الفلسطيني أساس للحق العربي".
وعن مضمون مذكراته وطبيعة الرواية التي يقدمها، شدد جنبلاط على أن ما كتبه لا يمثل حقيقة نهائية، قائلاً: "كل ما ورد في الكتاب هو وجهة نظر وليس مقدساً، ولكل شخص سرديته ووجهة نظره".
وفي ختام قراءته للمشهد الراهن، دعا إلى عدم تحميل لبنان أدواراً تتجاوز قدرته وسط التحولات والتحالفات الإقليمية الكبرى، قائلاً: "لنبقَ على قدرنا في لبنان"، والعمل على تقوية الوحدة الوطنية والحوار وتحسين العلاقة مع سوريا. ونبّه على أن المنطقة تتجه إلى مرحلة شديدة الخطورة وأن العرب قد يدفعون "الثمن الأكبر".
الجلسة التشريعية
ينعقد مجلس النواب اليوم وغداً في جلسة للهيئة العامة بناء على دعوة الرئيس نبيه بري لمناقشة جدول أعمال يتقدّمه اقتراح قانون العفو العام الذي لم يمر في الجلسة التشريعية الماضية بسبب فقدان النصاب نتيجة الخلاف "الطائفي" حوله، واقتراح قانون إلغاء عقوبة الاعدام إلى جانب اقتراح قانون الاعلام الذي شهد اعتراضات كبيرة من الأوساط الاعلامية المعنية وفي مقدمها نقابتا الصحافة اللبنانية ومحرري الصحافة اللبنانية.
ولهذه الغاية، وبناء على طلب من الرئيس بري، عقد اجتماع في مكتب نائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب بحضور نقابة الصحافة التي مثلها النقيب عوني الكعكي، أمين سر النقابة الدكتور طلال حاطوم وعضو المجلس محمد نمر، ونقابة محرري الصحافة التي مثلها النقيب جوزف القصيفي ونائب النقيب صلاح تقي الدين، وزير الاعلام الدكتور بول مرقص، رئيس لجنة الاعلام والاتصالات النيابية النائب ابراهيم الموسوي، النائب علي حسن خليل، رئيس اللجنة الفرعية للادارة والعدل التي ناقشت اقتراح القانون النائب جورج عقيص، والنائبين حسين الحاج حسن واَلان عون.
وبعد نقاش طويل استمع خلاله النواب إلى المواد التي تعترض عليها النقابتان، أعلن بو صعب والوزير مرقص موافقتهما على تعديل بعض مواد اقتراح القانون وفي أساسها إلغاء النص الذي يجرّم الصحافيين ويعرّضهم للملاحقة القانونية والجزائية كما وردت في نص المادة 104 من اقتراح القانون، وعلى أن يتم تعديل نسبة مشاركة الاعلاميين في الهيئة الوطنية للاعلام التي ستنشأ بموجب اقتراح القانون بحيث يصبح عددهم أربعة خبراء بعدما كان الاقتراح حدد العدد بممثل واحد. كما تم إلاتفاق على إلغاء النص الذي يجيز إنشاء نقابات إعلامية كي لا تصبح المسألة "تفريخ" نقابات مناطقية أو طائفية ومذهبية.
يبقى أن هذا الاجتماع والتوافق الذي نتج عنه رهن إقرار اقتراح القانون، وعليه ستتخذ نقابتا الصحافة والمحررين موقفاً واضحاً بعد إقرار القانون، فإن جاء موافقاً لطلباتهما يعقد النقيبان مؤتمراً صحافياً يشكران فيه النواب على التعديلات، وإن لم يأتِ كما تشتهيه النقابتان تتخذان موقفاً معارضاً للقانون وتسعيان إلى إبطاله.
المفاوضات
وفي موضوع المفاوضات مع العدو الاسرائيلي، قال مصدر خاص في معلومات لجريدة "الأنباء الالكترونية" أن قناعة بدأت تتكون لدى أركان السلطة وتحديداً رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بعدم وجود جدية أميركية في الضغط على إسرائيل لتنفيذ اتفاق الاطار الذي تم التوصل إليه، وبالتالي بدأت تتشكّل قناعة باتخاذ موقف تصعيدي يتمثل في مقاطعة هذه المفاوضات ما لم يقدم العدو الاسرائيلي على تنفيذ ما ورد في اتفاق الاطار لناحية تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب من المناطق التي تم تحديدها كمناطق تجريبية للسماح بدخول الجيش اللبناني إليها وعودة النازحين.
وأضاف المصدر أن عدم جدية الضغط الأميركي على إسرائيل هي التي بدّلت من الموقف الرسمي للدولة اللبنانية، مشيراً إلى أنه في حال وجود هذه النية فلن تكون سابقة، إذ ان الولايات المتحدة سبق لها وأن ضغطت على إسرائيل لوقف عدوانها في العام 1956 بالاشتراك مع فرنسا وبريطانيا.
وكانت هيئة البث الإسرائيلية نقلت عن مصادر أن إسرائيل احتجت لدى واشنطن بشأن نشاط الجيش اللبناني، مدعية أنه ينسق مع "حزب الله"، وأن لبنان يرفض إجراء مفاوضات قريباً احتجاجاً على عدم توسيع مناطق الانسحاب الإسرائيلي، وهذا ما أدى إلى تأخير تحديد موعد الجولة المقبلة من المفاوضات بسبب التوتر بين الجانبين.
