Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • دراسات ومقالات
  • السبت 15 آب 2026

لا حياة لجزين إلا باعتدالها..

لا حياة لجزين إلا باعتدالها..

المحامي سعيد بو عقل

حين عادت جزين إلى نفسها
ليلة الرابع عشر من آب ليست ليلة عادية في جزين.
هي ليلة لها في ذاكرة الجزينيين مكان لا يشبه سواه؛ يعود فيها الأبناء المقيمون في بيروت وضواحيها، ويعود المغتربون، ويلتقي المقيم بالوافد، وتستقبل المدينة أبناء القرى والمدن المجاورة وضيوفها، قبل أن تجتمع هذه الحشود في تقليد إيماني عريق خلف السيدة العذراء، في زياح ينطلق من كنيسة سيدة الانتقال عند نبع جزين وصولاً إلى تمثال سيدة المعبور عند مدخل المدينة الشمالي.
وفي هذه الليلة أيضاً، درجت جزين منذ سبعينيات القرن الماضي على إطلاق مهرجانها السنوي، في تقليد بدأته النوادي الجزينية وحافظت عليه، قبل أن يشهد ابتداءً من العام 2001، مع عودة الحياة البلدية إلى المدينة بعد انقطاع دام نحو أربعة عقود، انطلاقة جديدة وتطوراً كبيراً.
يومها، كان التحدي بعد التحرير أن تستعيد جزين مكانتها على الخريطة السياحية، فتحولت مهرجاناتها تدريجياً إلى موعد ينتظره أبناء المنطقة وزوارها، وإلى رافعة اقتصادية للمطاعم والمؤسسات والتجار، والأهم إلى مساحة لقاء بين جزين ومحيطها.
وتعاقبت المجالس البلدية، وحافظت على هذا التقليد وطوّرته كل وفق إمكاناته وظروفه، إلا أن شيئاً ما بدأ يتغير في مرحلة لاحقة.
فحين دخلت العصبيات السياسية والطائفية والمناطقية بقوة إلى الحياة العامة، وحين ارتفع خطاب الفرز على حساب لغة الاعتدال والانفتاح، بدأت بعض الجسور التي كانت قد بنيت بعد التحرير تهتز، وانكفأ قسم من الجوار عن مدينة كان قد عاد إليها وأحبها واعتاد المشاركة في أفراحها ومناسباتها.
ولم تكن جزين يوماً بحاجة إلى ذلك.
فهي بحكم تاريخها وموقعها وتركيبتها لا تستطيع أن تعيش خلف الأسوار، ولا أن تزدهر وهي منغلقة على نفسها. قوتها كانت دائماً في خصوصيتها من جهة، وفي انفتاحها على صيدا والجنوب وسائر محيطها من جهة أخرى. هكذا عرفها الآباء، وهكذا حافظ رجالاتها المعتدلون عليها في أصعب المراحل.
أما ليلة أمس، فقد قالت جزين كلمتها.
ضاقت شوارع المدينة وأزقتها بأبنائها وزوارها، وامتلأت ساحاتها عن بكرة أبيها. عاد البيارتة والمغتربون، وحضر أبناء القرى والمدن المجاورة بأعداد لافتة، وكان بين المشاركين كثيرون ممن لجأوا إلى جزين خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، فعادوا إليها هذه المرة لا هرباً من الحرب وطلباً للأمان، بل للمشاركة في فرحتها وزياح سيدتها ومهرجانها.
ولعل في هذا المشهد وحده من المعاني ما يغني عن الكثير من الكلام.
فالذين استقبلتهم جزين في أيام الخوف عادوا إليها في أيام الفرح.
وهذا أجمل رد على كل من اعتقد يوماً أن الانفتاح على الآخر يهدد هوية جزين، أو أن الاعتدال ضعف، أو أن إثارة العصبيات يمكن أن تكون مشروعاً دائماً لمدينة تريد الحياة والازدهار.
وكلمة حق تقال: إن للمجلس البلدي الحالي ورئيسه نصيباً أساسياً في استعادة هذه الأجواء. فقد اختار منذ وصوله خطاباً أكثر انفتاحاً وهدوءاً، وابتعد عن الاستفزاز والانغلاق، وأعاد مد الجسور مع مختلف مكونات المنطقة والجوار.
كما أن من الإنصاف القول إن هذا المناخ لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة التقارب الذي أعاد تيار الاعتدال، ممثلاً بالنائب السابق المحامي إبراهيم سمير عازار، إلى موقع مؤثر في رسم التوجه البلدي، إلى جانب قوى وشخصيات أدركت، ولو بعد تجربة طويلة، أن جزين لا تستطيع أن تكون إلا جزين التي عرفناها: معتدلة، منفتحة، متمسكة بخصوصيتها من دون أن تجعل منها جداراً بينها وبين الآخرين.
وهنا تكمن أهمية ما جرى.
فالمسألة ليست في عدد الذين ملأوا الشوارع ليلة أمس، ولا في نجاح مهرجان أو زياح، على أهمية ذلك كله. المسألة أن تجربة السنوات الماضية أعادت إثبات حقيقة حاول البعض تجاهلها:
لا حياة لجزين إلا باعتدالها.
والاعتدال هنا ليس موقفاً سياسياً عابراً ولا شعاراً انتخابياً. إنه حاجة جغرافية وتاريخية واجتماعية واقتصادية. هو أن تكون جزين وفية لهويتها وفي الوقت نفسه بيتاً مفتوحاً لجيرانها. أن تختلف من دون أن تعادي، وأن تتمسك بقناعاتها من دون أن تخاف من الآخر، وأن تدرك أن ازدهارها لا يكون بانكفاء محيطها عنها، بل بإقباله عليها.
لقد تعرض هذا النهج خلال مراحل سابقة لمحاولات إضعاف وإقصاء، وقيل ربما إن زمنه قد انتهى. لكن الأفكار المتجذرة في تاريخ المدن لا تموت بخسارة انتخابية، ولا تلغى بارتفاع صوت سياسي عابر.
وليلة أمس كانت خير دليل.
لم يحتج الاعتدال إلى خطاب كي يعلن عودته؛ كانت شوارع جزين الممتلئة هي الخطاب.
وكان ابن صيدا والجنوب والجوار الذي جاء ليشارك الجزيني فرحته هو الجواب.
وكان الذين لجأوا إلى جزين في زمن الحرب ثم عادوا إليها في ليلة العيد والفرح هم الشهادة الأجمل على أن المعروف لا يضيع، وأن الجسور حين تبنى بالمحبة يصعب على السياسة أن تهدمها إلى الأبد.
إنها جزين التي نريد.
جزين سيدة الانتقال وزياحها، جزين المهرجان والفرح، جزين المقيم والمغترب، وجزين التي تعرف أن خصوصيتها لا تكتمل إلا بانفتاحها، وأن ازدهارها لا ينفصل عن ازدهار محيطها.
لقد عادت جزين ليلة أمس إلى نفسها.
فلنحافظ على هذه العودة، ولنبنِ عليها، ولتكن رسالة هذه الليلة إلى الجميع أن الاعتدال الذي حمى جزين في أصعب مراحل تاريخها لم يكن يوماً مرحلة عابرة حتى ينتهي، بل كان وسيبقى جزءاً من هويتها.
فقد تتبدل المجالس، وتتغير التحالفات، وترتفع أصوات ثم تخفت، أما جزين فتبقى… ولا حياة لجزين إلا باعتدالها وانفتاحها.

تواصل معنا
صيدا - لبنان
[email protected]
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة