
المحامي سعيد بوعقل
إذا أردنا أن نقرأ قانون العفو العام الأخير بعيداً عن الاصطفافات السياسية والطائفية، وبقدر من التجرد والإنصاف، فلا بد بدايةً من الاعتراف بأن وراءه مظلومية حقيقية تراكمت على مدى سنوات، وأن الدولة اللبنانية تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عنها.
فقد بقي عدد من الموقوفين، وفي مقدمهم موقوفون إسلاميون، سنوات طويلة خلف القضبان من دون أن تصدر بحقهم أحكام تحدد مسؤولياتهم وتقرر مصيرهم. ومهما كانت طبيعة الجرائم المسندة إليهم، فإن التوقيف الاحتياطي لا يجوز أن يتحول بذاته إلى عقوبة مفتوحة، ولا أن يمضي الإنسان سنوات من عمره منتظراً محاكمة قد يتبين في نهايتها أن العقوبة التي يستحقها تقل عن المدة التي أمضاها موقوفاً.
من هذه الزاوية، كانت هناك مظلومية تستوجب المعالجة، وكان من واجب الدولة أن تعالجها منذ زمن، لا أن تتركها تتراكم حتى تحولت إلى قضية سياسية وطائفية ووطنية.
ثم جاءت التحولات الكبرى التي شهدها لبنان والمنطقة، من الحروب والاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة وتداعياتها، إلى سقوط النظام السوري السابق ووصول أحمد الشرع إلى الحكم في سوريا، بالتزامن مع تبدل كبير في المشهد السياسي اللبناني وفي موازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة به.
وفي ظل هذا المناخ الجديد، عاد ملف الموقوفين الإسلاميين بقوة إلى الواجهة، وتسارعت الخطوات السياسية والتشريعية التي انتهت بإقرار قانون للعفو العام.
وحتى هنا، يمكن فهم الأمر، بل يمكن تفهم الحاجة إلى معالجة ملف طال انتظاره.
لكن السؤال الذي يجب طرحه بعيداً عن الانفعال هو: هل يكفي أن يرفع القانون مظلومية عن فئة حتى يصبح قانوناً عادلاً؟
فالعدالة لا تقاس فقط بعدد الذين استفادوا من العفو، بل أيضاً بطبيعة الجرائم التي شملها وتلك التي استثناها، وبالمعيار الذي اعتمده المشترع للتمييز بينها.
وهنا تبدأ علامات الاستفهام.
فالعفو العام، بطبيعته، تشريع استثنائي يتجاوز القواعد العادية للملاحقة والعقاب لأسباب يراها المشترع مرتبطة بالمصلحة الوطنية أو بظروف اجتماعية وسياسية استثنائية. وإذا كان هذا هو منطقه، فإن المطلوب أن تكون معايير التسامح التشريعي مفهومة ومتوازنة وقابلة للتطبيق على الجميع بالميزان نفسه.
ولا يكفي أن نقول إن جريمة ما استُثنيت لأنها خطيرة، بينما شمل العفو جرائم أخرى لا تقل عنها خطورة، من دون البحث في الظروف والنتائج ودرجة المسؤولية في كل منها.
ولنأخذ جرائم الرشوة والفساد مثالاً.
لا أحد يدافع عن الرشوة، ولا يمكن للانهيار الاقتصادي أن يحول المال غير المشروع إلى مال مشروع. والموظف الذي يقبض رشوة يرتكب فعلاً يعاقب عليه القانون، وهذه مسألة لا جدال فيها.
لكن العدالة نفسها تفرض سؤالاً آخر: هل كل مرتشٍ ككل مرتشٍ؟
هل يجوز أن نضع في الميزان نفسه مسؤولاً استغل سلطته ونفوذه وراكم ثروة غير مشروعة، وموظفاً صغيراً انهارت قيمة راتبه حتى بات عاجزاً عن تأمين أبسط حاجات أسرته، فسقط تحت وطأة الحاجة وقبل مبلغاً غير مشروع؟
كلاهما أخطأ وكلاهما ارتكب جرماً، ولكن الظروف ليست واحدة، ولا حجم الضرر واحداً، ولا درجة الخطورة واحدة.
لقد عاش موظفو القطاع العام خلال الانهيار المالي واحدة من أقسى المراحل في تاريخ الإدارة اللبنانية. تبخرت قيمة رواتبهم، وعجزت الدولة التي تطالبهم بالنزاهة عن تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم لهم.
وهذا الواقع لا يبرر الرشوة ولا يمحو الجرم، لكنه ظرف لا يجوز تجاهله عندما يقرر المشترع نفسه، بقانون استثنائي، أن يتسامح مع جرائم أخرى ارتُكبت هي أيضاً في ظروف استثنائية.
وكان بالإمكان، في رأينا، اعتماد التمييز: استثناء جرائم الفساد الكبرى والاعتداء المنظم على المال العام والإثراء غير المشروع، وفي المقابل وضع ضوابط وشروط تسمح بمعالجة الحالات الأقل خطورة، بدلاً من جمع وقائع شديدة الاختلاف تحت عنوان واحد.
وهنا نصل إلى جوهر الاعتراض.
العفو العام لا ينبغي أن يكون تسوية سياسية يحصل من خلالها كل فريق على معالجة الملف الذي يعنيه، بل يفترض أن يكون مصالحة بين الدولة ومواطنيها على أساس معيار واحد للعدالة.
لقد كان من الضروري إنهاء مأساة كل موقوف أمضى وراء القضبان مدة غير معقولة من دون محاكمة، أياً تكن طائفته أو منطقته أو انتماؤه السياسي. وهذه ليست منّة من أحد، بل حق تفرضه أبسط قواعد المحاكمة العادلة.
لكن رفع مظلومية هؤلاء كان يمكن، بل كان يجب، أن يشكل مناسبة للنظر إلى مظلوميات الآخرين أيضاً.
فليس المطلوب أن نحرم من يستحق العفو منه لأن شخصاً آخر لم يستفد، ولا أن نعيد إلى السجن من خرج منه حتى تتحقق المساواة. المطلوب ببساطة أن نسأل: هل طبقنا المعيار نفسه على الجميع؟
إن أخطر ما يمكن أن يتركه قانون للعفو العام ليس أن يعترض عليه فريق سياسي، بل أن يخرج منه قسم من اللبنانيين مقتنعاً بأن الجريمة التي ارتكبها شخص غُفرت لأن وراء ملفه قوة سياسية أو طائفية، فيما استُثني آخر لأنه لا يملك من يحمل قضيته.
فإذا ترسخ هذا الشعور، نكون قد عالجنا مشكلة قضائية وخلقنا مشكلة ثقة بالدولة والعدالة.
فالعدالة لا تتحقق بأن ننقل الشعور بالغبن من فئة إلى أخرى.
ولا يكون قانون العفو وطنياً حقاً إلا عندما يستطيع اللبناني، أياً كانت طائفته أو منطقته أو انتماؤه، أن يفهم لماذا شُملت جريمة بالعفو واستُثنيت أخرى، وأن يجد وراء هذا التمييز معياراً قانونياً وأخلاقياً واحداً، لا حساباً سياسياً مختلفاً لكل ملف.
ومن هنا، وما دام القانون لم يصدر بعد، فإننا نتمنى على فخامة رئيس الجمهورية أن ينظر إلى هذه الهواجس، وأن يمارس، إذا وجد فيها ما يستوجب ذلك، صلاحيته الدستورية بطلب إعادة النظر في القانون.
لا ندعوه إلى إسقاط العفو.
ولا إلى إعادة المظلومية إلى من جاء القانون لينصفهم.
ولا إلى حرمان موقوف أمضى من عمره في السجن ما يكفي وربما أكثر مما يستحق.
بل نتمنى عليه إعطاء مجلس النواب فرصة ثانية لاستكمال العدالة التي أراد القانون تحقيقها، وإعادة النظر في بعض الاستثناءات، ووضع تمييز أكثر دقة بين الجرائم والحالات بحسب خطورتها وظروف ارتكابها والضرر الناجم عنها.
فالرد، في هذه الحالة، لا يكون رداً على مبدأ العفو، بل دعوة إلى تحسينه؛ ولا يكون انتصاراً لفئة على أخرى، بل فرصة لجعل القانون أقرب إلى العدالة التي يفترض أن يكون قد صدر باسمها.
إن إنصاف الموقوفين الإسلاميين الذين تعرضوا لتوقيف طويل وغير مبرر لا ينبغي أن يكون موضع اعتراض، بل إنصافاً تأخر كثيراً.
لكن العدالة الحقيقية لا تتجزأ.
فرفع المظلومية عن فئة أمر محمود ومستحق، أما اكتمال العدالة فيقتضي ألا يؤدي رفعها إلى نشوء مظلومية جديدة لدى فئة أخرى من اللبنانيين.
ولعل فرصة التصحيح اليوم، قبل إصدار القانون، أجدى من أن نكتشف غداً أننا رفعنا ظلماً… ولم نحقق العدالة
