
المحامي سعيد بوعقل
لطالما تميز لبنان في محيطه بهامش واسع من حرية الصحافة والتعبير، وكانت هذه الحرية واحدة من أجمل سماته وأكثرها قيمة. لكن الحرية، ككل حق، تفقد معناها عندما تنفصل عن المسؤولية، كما تفقد معناها أيضاً عندما تتحول المسؤولية إلى ذريعة لقمع الرأي.
وبين هذين الحدين يعيش الإعلام اللبناني اليوم واحدة من أخطر أزماته.
فمع انتشار المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل، أصبح إنشاء منبر إعلامي أمراً بالغ السهولة، ولم يعد الإعلام في بعض الحالات رسالة هدفها البحث عن الحقيقة وإطلاع الناس عليها، بل تحول إلى وسيلة للكسب والنفوذ وتصفية الحسابات.
وبات في إمكان صاحب مصلحة سياسية أو اقتصادية أن يجد منبراً يهاجم خصمه، وينشر عنه ما يسيء إلى سمعته، ثم تختلط الحقيقة بالإشاعة والرأي بالخبر، فيما يقف المتضرر أحياناً عاجزاً أمام سرعة انتشار المعلومة وصعوبة محو آثارها.
والمؤسف أن كل ذلك يجري أحياناً تحت عنوان مقدس اسمه «حرية الإعلام».
لكن الحرية التي نريد الدفاع عنها ليست حرية الافتراء، ولا حرية الابتزاز، ولا حقاً في اغتيال سمعة الناس.
فالصحافي حر في رأيه، لكنه ليس حراً في اختراع الوقائع. وحر في نقد المسؤول، لكنه ليس حراً في إدانة الناس بلا دليل.
وفي المقابل، تظهر مفارقة أشد خطورة عندما تتسامح السلطة مع هذا النوع من الانفلات، ثم تستنفر في مواجهة صحافي أو وسيلة إعلامية لأنها عبّرت بجرأة عن موقف سياسي أو فكري أو عقائدي يخالف توجهها.
وهنا يقع الظلم المزدوج.
ظلم يصيب المواطن الذي يصبح هدفاً لإعلام التشهير وتصفية الحسابات ولا يجد حماية سريعة وفعالة لكرامته وسمعته، وظلم يصيب الإعلامي الذي يمارس حقه الطبيعي في إبداء رأيه والدفاع عن قناعته، فيجد نفسه مهدداً بالملاحقة لأن رأيه لم يعجب أهل السلطة.
فأين يقع الخلل؟
الخلل ليس في اتساع حرية الإعلام، بل في اختلال المعايير التي تحدد متى نحمي هذه الحرية ومتى نحاسب على إساءة استعمالها.
والحل، بالتأكيد، ليس في المزيد من الرقابة السياسية. فإعطاء السلطة سيفاً مسلطاً على الإعلام بحجة مكافحة التجاوزات قد يحول هذا السيف سريعاً إلى وسيلة لإسكات المعارضين.
الحل في قانون واضح وقضاء مستقل وسريع يميز بين الرأي والافتراء، وبين النقد والتشهير، وبين المعارضة والتحريض؛ ويحمي حق الرد والتصحيح، وينصف المتضرر عندما يثبت الضرر، من دون أن يجعل من القضاء أداة لتأديب أصحاب الرأي.
أما المسؤولية الأخرى فتقع على الإعلام نفسه.
فليس كل ما يجوز نشره ينبغي نشره، ولا سيما في بلد متعدد الطوائف والمذاهب كلبنان، دفع مراراً أثماناً باهظة عندما تحولت الكلمة إلى وقود للعصبيات.
ومن هنا ينبغي التمييز بين منبر يملك موقفاً سياسياً واضحاً ويدافع عنه بشرف، حتى لو اختلفنا معه، وبين منبر يجعل من الإثارة الطائفية أو التشهير أو تصفية الحسابات وسيلة لجمع المال والنفوذ والمشاهدات.
الأول يمارس حريته، والثاني يتاجر بها.
إن لبنان لا يحتاج إلى إعلام منزوع الموقف، ولا إلى صحافي يخشى السلطة. بل يحتاج إلى إعلام أكثر جرأة في قول الحقيقة، وأكثر استقلالاً في مواجهة السلطة، وفي الوقت نفسه أكثر التزاماً بكرامة الإنسان وبالسلم الأهلي وبأبسط قواعد المهنة.
فالمعادلة التي نحتاج إليها ليست معقدة:
أقصى درجات الحماية للرأي، وأقصى درجات المسؤولية عن الكذب المتعمد والتشهير والابتزاز والتحريض.
وعندما تنجح الدولة في حماية الاثنين معاً ــ حرية الكلمة وكرامة الإنسان ــ نكون قد أعدنا للإعلام وظيفته الحقيقية: أن يكون سلطة تراقب وتحاسب وتنوّر الرأي العام، لا سلطة تخيف الناس أو تبتزهم، ولا صوتاً يخشى أن يقول ما يؤمن به.
فالحرية التي تخشى الحقيقة ليست حرية، كما أن الحرية التي تبيح الظلم ليست حرية أيضاً وتلك هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم إعلامنا:
لا حماية للسلطة من الإعلام، بل حماية للإعلام من تعسف السلطة، وفي الوقت نفسه حماية للمواطن من إساءة استعمال الإعلام لحريته
