
كتبت صحيفة "الاخبار" التالي : الجدال القائم حول موقع لبنان في أي مواجهة مُحتملة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، لم يعد يقتصر على السؤال الذي يحمله المسؤولون في لبنان أو الضيوف الأجانب إلى قيادة حزب الله. بل صار يرتبط أكثر بسؤال آخر شديد الوضوح: ماذا لو قرّرت إسرائيل تنفيذ عملية ضد لبنان... فكيف يُفترض بالمقاومة أن تتصرّف؟
على مستوى أركان سلطة الوصاية، فإن السؤال الوحيد عندهم هو حول ما يمكن لحزب الله أن يفعله. لكنّ الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام يرفضان حتى مناقشة احتمال أن تبادر إسرائيل إلى الحرب، ذلك أنهما لا يريدان أن يقدّما إجابة، تُشتمّ منها موافقتهما على مقاومة العدوان. وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول: هل توجد لدى السلطة في لبنان استراتيجية واضحة لمواجهة رفض العدو الانسحاب من الأراضي المحتلة، وكيف سيكون برنامج السلطة للتحرير؟
على أي حال، فإن إسرائيل لا تبدو مُهتمّة كثيراً بالنقاشات الداخلية اللبنانية، فهي تتصرّف سياسياً وميدانياً، على قاعدة أن لبنان هو جزء من المعركة. وهو حال الأميركيين أيضاً. وتنطلق تل أبيب كما واشنطن من فرضية أن إيران تردّد في كل جلسة تفاوض أنها تريد من الولايات المتحدة ضمان إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان مع جدول لانسحاب قواتها من الأراضي المحتلة. وأن هذه الخطوة هي شرط يوازي بقوته الشرط المتعلّق بإنهاء الحرب على إيران ورفع الحصار عنها. وهذا ما يجعل الطرف الآخر، يتعامل مع الساحة اللبنانية على أنها جزء من مسرح التفاوض. مع الإشارة إلى مُعطيات غير واضحة المعالم بصورة كاملة، عن أن المشروع الإيراني لإنهاء الحرب على كل الجبهات، يشمل أيضاً سوريا وغزة. ولو أن البعض يعتبر أن الأمر قد يُعتبر إيرانياً أنه تحصيل حاصل في حال وافقت الولايات المتحدة على شرط إنهاء الحرب في كل المنطقة.
ورشحت معلومات من طهران، أن بعض الوسطاء الذين ينقلون المطالب بينها وبين واشنطن، سألوا بدورهم عمّا إذا كانت إيران تريد من قوى المحور في لبنان والعراق واليمن الدخول في الحرب إن تجدّدت. وفيما كان البعض يتوقّع صمتاً إيرانياً، إلّا أن المسؤولين الإيرانيين يقولون كلاماً صادماً للسائل: نحن لا نحتاج إلى أحد للدفاع عنا، ولكننا، لسنا مسؤولين عمّا يفكر فيه أي طرف يشعر بأنه مُستهدف أو سيادته ناقصة. وقال الإيرانيون بوضوح إن هذا الكلام يشمل كل المنطقة وليس الدول الثلاث فقط.
في المقلب الآخر، كان لافتاً أن النقاشات القائمة في كيان الاحتلال بشأن تشكيل الحكومة، لم تتطرّق إلى ملف لبنان بصورة مُفصّلة. وهذا لا يعني أن لبنان ليس في صلب اهتمامات أي حكومة جديدة، لكنّ الواضح أن التحدّي الأهم بالنسبة إلى قادة العدو، هو كيفية التعامل مع الإدارة الأميركية الجديدة للمنطقة، وحجم الهامش الممنوح لإسرائيل للتحرك في لبنان وبقية المناطق.
وبناءً عليه، عادت الجبهة اللبنانية لتكون حاضرة في صلب الاستعدادات العسكرية لاحتمال وقوع عدوان جديد ضد إيران، مع تزايد في حجم التقارير الإعلامية الإسرائيلية عن إعداد خطط هجومية ضد حزب الله، بالتزامن مع التحركات العسكرية على الحدود الشمالية، تشير إلى أن تل أبيب تضع احتمال توسّع المواجهة ضمن حساباتها العملياتية.
وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الجيش الإسرائيلي أعدّ خطة هجومية ضد حزب الله، تحسّباً لقرار الحزب الانخراط في أي مواجهة عسكرية مقبلة. ولا تقتصر أهمية هذه المُعطيات على مضمون الخطة، بل تكمن في توقيتها أيضاً، إذ تأتي بالتزامن مع تصاعد الحديث عن خطط أميركية وإسرائيلية مشتركة تستهدف المُنشآت النووية والصاروخية والبنية التحتية العسكرية الإيرانية.
وتعكس التحركات الإسرائيلية على الجبهة الشمالية توجهاً نحو إبقاء الخيارات العسكرية مفتوحة، مع تكثيف الاستطلاع ومراقبة تحركات حزب الله ورفع مستوى الجاهزية لدى القوات المنتشرة في المنطقة. فقد نقل موقع «واللا» عن مسؤول أمني إسرائيلي رفيع أن الحزب «يعمل على زيادة الاحتكاك مع القوات الإسرائيلية الموجودة على طول الخط الأصفر، بهدف توجيه رسالة مرتبطة بإيران، في وقت تتابع فيه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية احتمالات تجدّد المواجهة مع طهران». وبحسب الموقع، فقد أجرى قائد جيش الاحتلال إيال زامير جولة على الجبهة الشمالية للاطّلاع على استعدادات القوات والسيناريوات المُحتملة. كما أشار التقرير إلى أن التقديرات الأمنية الإسرائيلية تعتبر أن حزب الله لم يستعد بعد كامل قدراته التي تضررت خلال المواجهات السابقة، على الرغم من استمرار محاولاته إعادة بناء إمكاناته.
بالنسبة إلى لبنان، لا تقتصر خطورة هذا المشهد على احتمال استهداف مواقع عسكرية أو بنى تحتية تابعة للحزب، بل تتصل بإمكان توسيع العمليات البرية وفرض وقائع ميدانية جديدة في الجنوب. فإسرائيل لا تفصل بين ملف انتشار الجيش اللبناني ومسألة تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، وتستند في مواقفها إلى ما تعتبره بطئاً في معالجة هذا الملف داخل عدد من المناطق.
وتتجاوز الحسابات الإسرائيلية، وفق المُعطيات المُتداولة، حدود الشريط الحدودي، إذ تبرز مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد إقليمي واسع إلى إعادة رسم نطاق العمليات باتجاه مناطق أعمق في الجنوب، وصولاً إلى إقليم التفاح ومحيط نهر الأولي، فضلاً عن احتمال تشديد الإجراءات البحرية.
في المقابل، تجد السلطة اللبنانية اليوم نفسها في موقع مُرتبك من جراء التطورات الأخيرة، ولا يزال الحوار الذي يسعى إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري بين رئيس الجمهورية جوزيف عون وحزب الله يصطدم بالخلاف الداخلي حول دور حزب الله وطبيعة المواجهة مع إسرائيل، مع إصرار السلطة على سلوك مسار انهزامي وعدم تراجعها عن القرارات التي اتُّخذت في الحكومة في ما يتعلق بالسلاح.
أمّا في ما يتعلق بالواقع الداخلي الإسرائيلي بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة ومدى تأثيرها على جبهة لبنان، فقد نقل موقع «واي نت» عن مسؤولين إسرائيليين تقديرات تفيد بأن تجدّد المواجهة العسكرية قد يغيّر مسار المفاوضات الداخلية، في ظل الصعوبات التي يواجهها نتنياهو في تأمين أغلبية برلمانية واحتمال انتقال السلطة إلى المعارضة بقيادة آيزنكوت، علماً أن انتقال السلطة في تل أبيب، إذا حصل، لا يشكل بحد ذاته ضمانة لوقف العمليات العسكرية أو تخفيف الضغوط عن بيروت، ما لم يترافق مع تغيير واضح في الموقف من التفاهمات الأمنية ومستقبل الاحتلال في لبنان.
ويضاف إلى هذه المعادلة ملف «اليونيفل»، مع اقتراب انتهاء ولايتها في 31 كانون الأول 2026، وفق القرار 2790، على أن تبدأ عملية خفض عديدها وانسحابها خلال عام 2027. ويطرح هذا التطور أسئلة حول الجهة التي ستتولى مهام الرصد والإبلاغ والتنسيق على طول الخط الأزرق. وبحسب المعلومات لا تزال فرنسا وإيطاليا تعملان على الدفع باتجاه ترتيبات دولية تضمن استمرار دعم الجيش اللبناني وتمنع نشوء فراغ أمني في الجنوب، إلا أن هذه المساعي لا تزال مرتبطة بالتوافق على طبيعة الصلاحيات والمهام والغطاء السياسي والقانوني، إضافة إلى مواقف واشنطن وتل أبيب.
(الأخبار)
الصورة : ل(هيثم الموسوي)
