
كتبت صحيفة الأخبار تقول: تُظهر مواقف المسؤولين الإسرائيليين، وما يُنقل عن أوساطهم، أنّ أهداف تل أبيب لم تعد تقتصر على إضعاف حزب الله عسكرياً، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة تعميق الانقسامات الداخلية في لبنان، ودفع مؤسساته الرسمية إلى مواجهة مباشرة مع الحزب. وتكمن خطورة هذا المسار في أن أي ترجمة عملية له قد تنقل المواجهة مع العدو إلى الداخل، وتفتح الباب أمام نزاع داخلي.
وقد عبّر عن هذا التوجّه صراحة وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، حين قال إنّه «لا يوجد طرف يمكن التحاور معه في لبنان، فالحكومة لم تعد ذات تأثير، وبالتالي لم يعد هناك فصل بين لبنان وحزب الله، وإذا استمر غياب التحرك فليتحمّلوا التبعات». ويتقاطع هذا الموقف مع ما نقلته القناة 12 الإسرائيلية عن مصدر أمني بأنّ «تكثيف استهداف مؤسسات الدولة اللبنانية يزيد من ضغطها للحد من نفوذ حزب الله».
في موازاة ذلك، برز تحرّك فرنسي محدود، يقوده وزير الخارجية جان نويل بارو، الذي وصل إلى بيروت أمس، حيث التقى رئيس الجمهورية جوزيف عون لمدة ساعة، قبل أن ينتقل إلى السراي الحكومي للقاء رئيس الحكومة نواف سلام، من دون الإدلاء بأي تصريح.
وفيما أفادت وزارة الخارجية الفرنسية بأن بارو استبق زيارته باتصالات مع نظيريه الأميركي والإسرائيلي، أوضحت في بيان أنّ «الزيارة تأتي في إطار دعم فرنسا وتضامنها مع الشعب اللبناني الذي يجد نفسه في خضمّ حرب لم يخترها»، وأنّ بارو سيبحث مع المسؤولين اللبنانيين سبل احتواء التصعيد والتعامل مع التطورات الراهنة، بالتنسيق مع رئاسة الجمهورية. كما تتضمن الزيارة لقاءات مع طاقم السفارة الفرنسية في بيروت، ومتابعة إجراءات حماية الجالية الفرنسية التي تُقدّر بنحو 21 ألف شخص، والاطمئنان إلى أوضاعها.
ورغم تجديد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تأكيد دعم بلاده للحكومة اللبنانية في ملف نزع سلاح حزب الله، بقيت القراءة السياسية لهذا التحرّك محكومة بالحذر. ففرنسا لا تبدو في موقع يتيح لها فرض مسار سياسي بديل أو تأمين مظلة دولية قادرة على كبح الاندفاعة الإسرائيلية، في ظل تجاهل أميركي وإسرائيلي واضح لدورها، ما يحصر حراكها في إطار ضيّق.
وفي هذا السياق، قالت مصادر سياسية إنّ التحرّك الفرنسي «لا طائل منه، إذ يبدو أقرب إلى أفكار لبنانية بصياغة فرنسية»، مشيرة إلى أنّ «باريس لا تملك مبادرة خاصة، بل تبنّت طرحاً يطرحه رئيس الجمهورية، وهو بدوره لا يحظى بتوافق داخلي». وتضيف المصادر أنّ «لا مؤشرات حتى الآن إلى أي اختراق، خصوصاً أنّ المطالب الإسرائيلية تتجاوز حدود المنطق».
وفي عين التينة، نقل زوار الرئيس نبيه بري عنه تأكيده أن التفاوض مع إسرائيل «مستحيل»، مشدداً على أن «السقف الذي لا نرضى النزول تحته هو العودة إلى اتفاق 27 تشرين الثاني 2024»، معرباً عن ارتياحه لموقف النائب السابق وليد جنبلاط برفض التفاوض في غياب الشيعة. كذلك عبّر بري عن ارتياحه للمجريات الميدانية وأداء المقاومة في الجنوب، لافتاً إلى أن الحرب على إيران دخلت أيامها الأخيرة، والإيرانيون سجّلوا انتصاراً. وأكّد بري أن التواصل قائم بينه وبين حزب الله والإيرانيين.
سلام: مزيد من الخنوع
رغم ذلك، يواصل رئيس الحكومة استعجال «تقريش» نتائج الحرب السابقة، من دون الالتفات إلى وقائع المعركة الحالية أو الاستفادة من صمود المقاومة لتحسين شروط لبنان التفاوضية. وفي هذا السياق، جدّد سلام، في مقابلة مع شبكة CNN الأميركية أمس، استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة وفورية مع إسرائيل، داعياً الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العمل على تثبيت وقف إطلاق النار «أمس لا اليوم». وأشار إلى أنّ البلاد تواجه أزمة غير مسبوقة مع نزوح نحو 20% من السكان نتيجة الحملة الإسرائيلية، مؤكداً أنّه طلب من واشنطن المساعدة في إنهاء الصراع، معتبراً أنّ «الولايات المتحدة شريك استراتيجي للبنان، وأن ترامب أكثر من أي شخص قادر على تأدية دور حاسم في إنهاء الحرب».
في المقابل، سجّل رئيس الجمهورية تراجعاً عن مواقفه السابقة، مبدياً حذراً واضحاً من انفجار الوضع الداخلي. فأكد تمسّكه بمبادرته لوقف الحرب، لكنه شدّد على ضرورة تأمين مظلة توافقية داخلية لها، قائلاً في مقابلة مع قناة «الحدث»: «أنا متمسك بمبادرتي، وحريص على التوافق الداخلي حولها قبل أي شيء».
وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذا التحوّل يرتبط بعاملين أساسيين. الأول، تمسّك الرئيس بري بموقفه الرافض لأي تفاوض قبل وقف إطلاق النار، وإصراره على اعتماد «لجنة الميكانيزم» كإطار للتفاوض، ما دفع عون إلى إدراك أن مبادرته ستواجه الفشل إذا أصر على تجاوز الثنائي الشيعي.
أما العامل الثاني، فيتصل بالتحذيرات التي تلقاها من قادة الأجهزة الأمنية وشخصيات سياسية، إضافة إلى زوار القصر الجمهوري، والتي أفادت بأن مواقفه الأخيرة أثارت «سخطاً واستياءً واسعَين لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين، ولا سيما في البيئة الشيعية»، في وقت تستثمر فيه قوى سياسية معادية للمقاومة هذه المواقف لتفجير الوضع الداخلي بشكل يهدد العهد بالسقوط.
