Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • سياسية عامة
  • الأحد 5 نيسان 2026

لبنان الكبير: بين موت الأسطورة ورجاء القيامة

لبنان الكبير: بين موت الأسطورة ورجاء القيامة

المحامي سعيد بوعقل
ليس أخطر على الأوطان من رواياتٍ تتحوّل مع الزمن إلى مسلّمات، يُمنع الاقتراب منها أو مساءلتها. ولبنان، الذي يُقدَّم لنا في صورة “الوطن الكبير” الذي وُلد على أكتاف رجالٍ صُنّاع الاستقلال، ليس استثناءً من هذه القاعدة. فخلف هذا السرد المفعم بالحنين، تختبئ أسئلة مؤجَّلة، ووقائع مُغيَّبة، ومسؤوليات تاريخية لم يُكتب لها أن تُناقش بجرأة.
فهل كان “لبنان الكبير” فعلاً تتويجاً لحلم وطني جامع؟ أم أنّه جاء نتيجة تسويات خارجية، نُفِّذت بأيدٍ داخلية، وأسّست لكيانٍ يحمل في داخله بذور أزماته منذ اللحظة الأولى؟
هذا ما نحاول مقاربته بعيداً عن المبالغة وقريباً من الحقيقة.في كل مرة يشتد فيها الجدل حول هوية لبنان ومستقبله، يخرج من يتغنّى بـ”لبنان الكبير” بوصفه الفردوس المفقود، مستحضراً أسماء مؤسسيه وكأنها أيقونات خلاص لا يأتيها الباطل. غير أنّ هذا الخطاب، على ما فيه من حنين وعاطفة، يتجاهل عمداً قراءة نقدية صادقة لتلك المرحلة التأسيسية، ويغفل عن مسؤوليات تاريخية لا يمكن القفز فوقها أو تبريرها بشعارات السيادة والاستقلال.
إنّ “لبنان الكبير” لم يولد في سياق طبيعي لتطور تاريخي داخلي، بل جاء في ظل ترتيبات دولية فرضتها موازين القوى بعد الحرب العالمية الأولى، حيث لعب الانتداب دوراً حاسماً في رسم حدوده وتحديد معالم نظامه. وفي هذا الإطار، لم يكن بعض رجالات تلك المرحلة بعيدين عن التماهي مع إرادة الخارج، بل شكّلوا في حالات كثيرة أدوات تنفيذ لمشاريع تقسيم أوسع، استهدفت تفتيت المنطقة إلى كيانات صغيرة قائمة على العصبيات الطائفية والمذهبية.
لقد رُفعت شعارات براقة من قبيل “لا شرق ولا غرب” و”لبنان ذو وجه عربي”، لكنها في العمق لم تكن سوى محاولات توفيقية هشة أخفت تناقضات بنيوية عميقة، بدل أن تعالجها. فبدل بناء دولة المواطنة الجامعة، جرى تكريس نظام طائفي هش، جعل من الانتماء المذهبي معياراً للتمثيل السياسي، ومن الزبائنية وسيلة للحكم، ومن الارتهان للخارج باباً لضمان الاستمرار في السلطة.
وإذا كان يُقال إن أولئك القادة أسسوا للاستقلال، فإنّ السؤال المشروع يبقى: أي استقلال هذا الذي قام على توازنات خارجية أكثر منه على إرادة وطنية جامعة؟ وأي سيادة تلك التي بقيت مشروطة دوماً بتفاهمات إقليمية ودولية، تتبدل بتبدل المصالح؟
إنّ الأخطر من ذلك، أنّ هذا النهج لم يتوقف عند جيل المؤسسين، بل ورثه الأبناء والأحفاد، فاستمر النظام ذاته يعيد إنتاج نفسه، ويحمي امتيازاته، ولو على حساب الدولة ومؤسساتها. ويحارب ويخون كل من يحاول اصلاحه او تطويره وهكذا، تحوّلت “السيادة” في كثير من الأحيان إلى شعار يُستخدم لتبرير سياسات متناقضة، بينما الحقيقة أنّ القرار الوطني ظل أسير التجاذبات والمحاور.
من هنا، فإنّ التمسك بصورة مثالية عن “لبنان الكبير” دون مراجعة نقدية لتجربته، لا يخدم إلا استمرار الأزمة. فالأوطان لا تُبنى على الأساطير، بل على الاعتراف بالأخطاء وتصحيح المسار. ولبنان، إن أراد البقاء، لا يمكن أن يستمر ككيان قائم على التوازنات الهشة ذاتها، بل يحتاج إلى إعادة تأسيس حقيقية، تقوم على مفهوم الدولة المدنية، والعدالة، والمواطنة المتساوية.
فأي لبنان نريد؟ أهو لبنان الشعارات والحنين، أم لبنان الحقيقة والمسؤولية؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد إن كان هذا الوطن قادراً على النهوض، أم محكوماً بالبقاء في دائرة الأزمات ذاتها التي رافقته منذ ولادته.

ومع حلول أحد القيامة، حيث تختلط معاني الألم بالرجاء، والموت بالبدايات الجديدة، يفرض السؤالٌ نفسه بإلحاح: هل آن الأوان لدفن لبنان القديم، بكل تناقضاته وأوهامه، تمهيداً لقيامته من جديد على أسس وطنية سليمة؟ أم أننا سنبقى نتمسّك بأسطورةٍ نرفض إعلان نهايتها ولو على حساب مستقبل وطن بأكمله ؟
 

تواصل معنا
صيدا - لبنان
mosaleh606@hotmail.com
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة