
المحامي سعيد بوعقل
قد تختلف الشعوب حول البرامج السياسية والخيارات الاقتصادية وشكل الدولة، لكن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن ينقسم أبناؤها حول مسألة أكثر جوهرية: من هو العدو ومن هو الصديق؟
منذ نشأة الكيان اللبناني الحديث، عاش اللبنانيون انقساماً عميقاً حول هذه المسألة بالذات. فبينما نظر قسم منهم إلى المشروع الصهيوني وإسرائيل باعتبارهما خطراً وجودياً يهدد لبنان والمنطقة، رأى قسم آخر إمكانية للتفاهم أو التواصل أو الاعتماد على القوى الداعمة لهذا المشروع، انطلاقاً من حسابات سياسية أو إقليمية أو دولية مختلفة.
ولم يكن هذا الانقسام نظرياً أو فكرياً فحسب، بل انعكس على مجمل الحياة الوطنية، فظهر بأشكال مختلفة في محطات مفصلية من تاريخ لبنان، من أزمة عام 1958 إلى مرحلة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما تلاها، وصولاً إلى الانقسامات التي نشهدها اليوم.
إن الخلاف حول هوية العدو ليس خلافاً عادياً، لأنه ينعكس تلقائياً على مفهوم الوطنية، وعلى النظرة إلى المقاومة أو التسوية، وعلى تفسير الأحداث والوقائع، بل وحتى على مفهوم الخيانة والولاء. وعندما تصبح هذه المفاهيم موضع انقسام بين أبناء الوطن الواحد، يتحول الاستقرار إلى أمر بالغ الصعوبة.
ولعل مأساة لبنان الكبرى أنه لم ينجح حتى اليوم في بناء رؤية وطنية جامعة تجاه التحديات الوجودية التي تواجهه. فبقي يعيش حالة من التجاذب الدائم بين مشاريع واتجاهات متناقضة، تدفع أثمانها الأجيال المتعاقبة من أمنها واستقرارها واقتصادها ومستقبلها.
لقد حاول العديد من المفكرين والوطنيين، عبر العقود، البحث عن صيغ تعالج هذا الخلل البنيوي وتؤسس لمفهوم وطني جامع يتجاوز الانقسامات التقليدية، لكن هذه المحاولات بقيت محدودة الأثر أو أُجهضت قبل أن تبلغ غاياتها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى:
كيف يمكن لوطن أن يستقر ويزدهر إذا ظل أبناؤه مختلفين حول تعريف الخطر الذي يهدده، وحول الطريق الواجب سلوكها لحماية وجوده ومستقبله؟
