
المحامي سعيد بوعقل
لعل هذا البيت الخالد للمتنبي هو خير ما يمكن أن نستهل به كلامنا ونحن نتابع، بارتياح ممزوج بالحذر، بدء انقشاع الغيمة السوداء التي خيمت على لبنان طوال أشهر طويلة من الحرب والدمار والتهجير.
لقد سبق لنا أن كتبنا أكثر من مرة منذ بداية هذه الحرب اللعينة. وفي كل مرة كان الأمل يتسلل إلى قلوبنا بأن تكون المحنة قد انتهت، فكنا نهنئ أهلنا الوافدين بقرب عودتهم إلى ديارهم، ونشكر أهلنا وناسنا على احتضانهم لهم وحسن ضيافتهم رغم الظروف الصعبة... لكن الحرب كانت تعود في كل مرة لتفرض نفسها من جديد، ويعود معها النزوح والخوف والقلق.
أما اليوم، فنأمل أن تكون الثالثة ثابتة، وأن يتمكن أهلنا أخيراً من العودة إلى بلداتهم وقراهم بسلام وأمان واستقرار دائم.
وإذا كانت كلمة حق لا بد أن تقال في هذه المناسبة، فهي أن أبناء منطقة جزين خاصة، واللبنانيين عامة، كانوا على قدر المسؤولية منذ اللحظة الأولى لهذه المحنة وحتى لحظة إعلان وقف إطلاق النار الأخير الذي يبدو هذه المرة أكثر جدية وثباتاً.
فقد استمر احتضان الوافدين رغم تزايد أعدادهم، ورغم اتساع دائرة المخاطر والتهديدات، ورغم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها الحرب على الجميع. ولم ينجح شيء في ثني الناس عن أداء واجبهم الوطني والإنساني.
ولا يجوز هنا أن ننسى تلك المحاولات الخبيثة التي استمرت طوال فترة الحرب، والهادفة إلى زرع الخوف في نفوس أبناء المنطقة، ودفعهم إلى الانكفاء أو التراجع عن احتضان الوافدين أو النظر إليهم بعين الريبة والشك. وقد نجحت هذه المحاولات للأسف في بعض الأماكن اللبنانية، تحت تأثير الانقسامات السياسية والحسابات الضيقة، لكنها فشلت في جزين لأن أهلها كانوا أكبر من الفتنة، وأوعى من أن يقعوا في شباكها.
لقد قلنا في مقالات سابقة ونكرر اليوم أن لمنطقة جزين دستوراً غير مكتوب، لكنه راسخ في وجدان أبنائها. دستوراً صاغته عقود طويلة من الاعتدال والانفتاح والعيش الواحد والعلاقات الطبيعية مع محيطها الجنوبي والوطني. وهو الدستور الذي حمى المنطقة في الماضي ويحميها اليوم من كل محاولات العبث بأمنها واستقرارها ووحدتها.
وفي خضم هذه المرحلة الصعبة، برز رجل بقي وفياً لهذا النهج التاريخي وحاملاً لواءه في زمن كثرت فيه الأصوات المرتبكة والمترددة. أعني بذلك النائب السابق إبراهيم عازار، الذي واكب منذ اليوم الأول للحرب كل تداعياتها الإنسانية والاجتماعية، وكان حاضراً في متابعة شؤون الوافدين واحتياجاتهم، وفي مواجهة كل محاولات التحريض والفتنة والتخويف التي استهدفت العلاقة التاريخية بين أبناء المنطقة وأهل الجنوب.
لم يكن ما قام به موقفاً مستجداً أو طارئاً، بل امتداداً طبيعياً لمدرسة سياسية ووطنية عريقة أسس لها النائب الراحل إبراهيم أسعد عازار، ورسخها النائب الراحل سمير عازار، وقوامها الاعتدال والانفتاح ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
في الخلاصة، نقولها للمرة الرابعة منذ عام 2006 وحتى اليوم:
عرّج بجزين يا مستبعد النجف.
قلناها يوم استقبلت جزين أبناء الجنوب خلال حرب تموز، وقلناها يوم عادت الحرب لتطرق أبواب لبنان، ونقولها اليوم بعدما أثبتت المنطقة مرة جديدة أنها عصية على الفتنة كما هي عصية على الخوف.
وسنبقى نقولها ما دام لبنان قادراً على النهوض من بين الركام، وما دامت الروح الوطنية أقوى من دعاة الانقسام، وما دام في هذا الوطن رجال ونساء يرفضون تحويل السياسة إلى وسيلة لزرع الأحقاد وتأجيج العصبيات.
فالأوطان لا يحميها الخوف، ولا تبنيها الفتن، بل يحميها أهل العزم الذين إذا اشتدت المحن كانوا على قدرها
