
المحامي سعيد بو عقل
منذ إعلان دولة لبنان الكبير، شكّلت جزين حالة سياسية خاصة في لبنان، حيث لعبت الزعامات العائلية دوراً محورياً في إدارة الشأن العام، بعيداً عن منطق الاصطفافات الحزبية الضيقة. فبرزت أسماء طبعت الحياة السياسية في القضاء، من سليمان كنعان وصولاً إلى مارون كنعان، وفريد سرحال ، وفي موازاتها زعامة إبراهيم أسعد عازار ومن بعده رشاد عازار، وجان عزيز وصولاً إلى سمير إبراهيم عازار الذي شكّل محطة مفصلية في تاريخ جزين الحديث.
هذه الزعامات، وعلى اختلافها، التقت عند ثابتة أساسية: حماية جزين من الانزلاق إلى العصبيات الطائفية، انطلاقاً من موقعها الجغرافي الحساس، المحاط ببيئات لبنانية متعددة من صيدا إلى الشوف وصولاً إلى عمق الجنوب. فكان الخيار الدائم هو تغليب الاعتدال والانفتاح، وصون السلم الأهلي، ولو على حساب المكاسب السياسية الضيقة.
في المقابل، لم تنفك بعض القوى السياسية عن محاولة اختراق هذه الخصوصية، عبر خطاب يقوم في كثير من الأحيان على استنهاض الغرائز والعصبيات، تحت عناوين متعددة، ما خلق على الدوام حالة شدّ بين نهجين: نهج محلي حريص على التوازن، ونهج آخر يسعى إلى التعبئة والانقسام.
من عدوان 2006 إلى اليوم… نهج مستمر
عندما اندلعت حرب تموز 2006، لم تتردد جزين، بقيادة النائب الراحل سمير عازار وبلديتها، في فتح أبوابها أمام النازحين، مقدّمة نموذجاً في التضامن الوطني.
وتكرّس هذا النهج مجدداً خلال عدوان عام 2024، حيث اضطلع إبراهيم عازار بدور فاعل في متابعة شؤون الوافدين وتأمين احتياجاتهم، في تأكيد واضح على استمرارية هذا الخيار الإنساني
واليوم، يتكرر المشهد نفسه. فمع العدوان الإسرائيلي المستمر، والذي أدى إلى نزوح آلاف العائلات من الجنوب، بادر النائب السابق إبراهيم عازار، بالتعاون مع بلدية جزين، إلى استقبال أكثر من 9000 وافد وتأمين احتياجاتهم، بدعم أساسي من مجلس الجنوب وعدد من الجمعيات.
هذا الدور لم يكن ظرفياً أو شعبوياً، بل امتداداً لنهج متجذّر في تاريخ جزين، يقوم على احتضان الآخر وحماية الإنسان، أياً تكن طائفته أو منطقته.
حملة تشويه… وخطورة الخطاب
إلا أن هذا المشهد الإنساني لم يَسلم من محاولات التشويه، إذ عمدت بعض الجهات إلى مهاجمة إبراهيم عازار، متهمةً إياه بتعريض جزين وأهلها للخطر، تحت ذرائع واهية تربط بين وجود النازحين واحتمالات الاستهداف.
وهنا تبرز خطورة هذا الخطاب، ليس فقط لكونه يفتقر إلى أي أساس واقعي، بل لأنه يعيد إحياء منطق مرفوض يقوم على التخويف والتحريض، ويدفع باتجاه تحميل الضحية مسؤولية العدوان.
فالدعوة إلى طرد الوافدين، تحت أي عنوان، لا تعبّر عن حرص على جزين، بل عن انزلاق خطير نحو خطاب انعزالي يتناقض مع تاريخ المدينة وهويتها.
جزين… خيار وطني لا يتبدل
إن ما يقوم به إبراهيم عازار اليوم ليس خروجاً عن سياق، بل هو التزام صريح بخيار وطني وعلماني شكّل عبر عقود ما يمكن وصفه بـ“دستور جزين غير المكتوب”:
دستور يقوم على رفض الفتنة، وعلى حماية التنوع، وعلى تغليب الإنسان على السياسة.
لقد أثبتت التجارب أن جزين كانت دائماً أكثر أماناً عندما تمسكت بهذا النهج، وأكثر عرضة للاهتزاز كلما جرى جرّها إلى صراعات الآخرين.
الحقيقة التي لا تُحرَّف
الحقيقة بسيطة:
جزين لم تُهدَّد يوماً بسبب إنسان استُقبل على أرضها، بل كادت تُهدَّد كلما ارتفعت فيها أصوات التحريض والانقسام.
وبين من يفتح الأبواب للناس في زمن المحن، ومن يسعى إلى إغلاقها خوفاً أو استثماراً سياسياً، يبقى الحكم للتاريخ… ولأهل جزين الذين يعرفون جيداً من حمى مدينتهم، ومن حاول استغلالها.
في زمن الأزمات، تسقط الشعارات وتبقى المواقف. وجزين، كما كانت دائماً، تختار أن تكون مساحة أمان… لا ساحة انقسام
