
كتب ابراهيم بيرم في "النهار" التالي : لم يكن حدثاً عابراً أن ينتظر رئيس مجلس النواب نبيه بري أكثر من 24 ساعة بعد صدور بيان اللقاء الثلاثي في واشنطن ليجاهر باعتراض مدروس عليه.
فهو أخذ وقته لدرسه بعمق، مركزاً على ما عدّه "نقاط ضعف ومخاطر" ينطوي عليها، ليطلق استنتاجه القائل بأن البيان "هجين".
والأهم من ذلك أنه بنى على هذا الاستنتاج ليطلق دعوة لافتة إلى إدخال تعديلات عليه لكي يصير مقبولاً، ويمكن عندها التعامل معه بإيجابية.
"مفاوضات موازية"
من هذه الخلفية انطلق بري بسلاسة ومرونة لكي يبدأ في الظل رحلة "مفاوضات موازية" يأمل أن تفضي إلى تفاهم لا يسارع "حزب الله" إلى إبداء الاعتراض عليه ورفضه مشفوعاً بالتهم، على غرار ما فعله قبل أقل من 36 ساعة، ويؤكد مجدداً أنه غير ملزم تطبيقه.
وفق الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس بري، فقد كان يعلم سلفاً أن مسارات التفاوض المباشر ستصل بالأمور إلى المستوى الذي بلغته من التعقيد، وأن الإسرائيلي "سيستغل إلى أقصى الحدود ضعف موقف المفاوض اللبناني وضعف أوراقه، وحاجة الحكم الملحة إلى تحقيق إنجاز.
لذا كان بديهياً أن ينتظر بري اعتراض الحزب ثم يبادر إلى انتقاد مضامين البيان الثلاثي، لكن اللافت أن هذا الاعتراض لم يبلغ حدود الرفض الكامل، خصوصاً أنه مهّد للأمر عندما قال قبل وقت قصير من الجولة الرابعة من مفاوضات واشنطن إنه لا يهمه النظر في أوراق الوفد اللبناني، وإن ما يعول عليه هو مضمون البيان المنتظر ليبني على الشيء مقتضاه ويفصح عن ملاحظاته وموقفه النهائي.
المؤكد أن بري الذي سبق أن تولى مفاوضة الإسرائيلي في شكل غير مباشر طوال أكثر من ثلاثة عقود، يعي تماما عقلية إدارة الإسرائيلي لأي مفاوضات، ويعرف استتباعاً أن العقد لن تحل في جلسة أو أكثر، بل تحتاج إلى جلسات ومفاوضات موازية للجلسات المعلنة.
اعتبارات بري
كان بري يعلن استعداده للمضي في مفاوضات موازية، ويبلغ إلى من يعنيهم الأمر في الداخل والخارج استعداده للتصدي لهذه المهمة الشاقة والحساسة انطلاقاً من الاعتبارات الآتية:
- التفويض المعطى له من "حزب الله" لإدارة أي عملية تفاوض .
-الإيراني بات يطمئن إليه بعد فترة من الحذر.
- يعرف بري سلفاً مكانته عند الأميركي والخليجي والعربي عموماً، وأنه لا يُستغنى عنه.
وعليه، تعززت اندفاعته وهو يقدم نفسه على أنه قناة المفاوضات الموازية، ويسارع إلى إرسال موفده إلى الدوحة ثم يكشف اتصال أحد مستشاريه بالأميركيين، ناقلاً إليه عرضاً متكاملاً. ويعلن في الوقت نفسه أن تواصله مع الموفد السعودي إلى بيروت الأمير يزيد بن فرحان غير منقطع.
في خضم هذا الحراك اللافت، أتت صورة لقاء بري مع قائد الجيش العماد رودلف هيكل في عين التينة.
وهكذا يتبدى أن بري أعاد نفسه إلى قلب مربع المفاوضات بعدما تعامل كثر معه على أن الحكم الحالي يحرمه هذه الورقة التي احتفظ بها طويلاً.
والسؤال الآن: ما هي بالضبط الخطوط لعريضة لما يسعى إليه بري ويرسم له في هذا الشأن؟
الإجابة المختصرة هي أنه يسعى إلى إدخال تعديلات أساسية على البيان الثلاثي تنطلق من أمر أساسي، ألا يستشف من البيان أن في بنوده ما يقود حكما إلى "صلح" بين لبنان وإسرائيل ينهي حال العداء المزمن.
وبالإجمال، يعتبر بري ضمناً أن على الحكم الحالي أن يتقبل دوره، وأنّ عليه أن يعيد النظر في خياراته. وهو من خلال انخراطه في المفاوضات الموازية التي يقودها، يضع السلّم للحكم للنزول عن الشجرة.
ولكن هل تسير رياح الأمور وفق ما تشتهيه سفينة بري؟
الصورة : الرئيس نبيه بري
